بعدما تناولنا في المقالات السابقة ملامح الحقبة الدولية الراهنة في إطار ما أسميته “الهندسة العالمية لسيادة السياسات” أو “Global Architecture for Policy Sovereignty”، اختصارًا بـ”GAPS”، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى قراءة تطبيقية للمستجدات الأخيرة، وفي القلب منها الحرب الدائرة على إيران، بوصفها نموذجًا كاشفًا لطبيعة الصراع في هذه المرحلة؛ فهي لا تشبه الحروب الكلاسيكية لا في أهدافها ولا في أدواتها، كما أنها تجري بالكامل داخل الإطار الشبكي الذي بات السمة الحاكمة للنظام الدولي الراهن.
ولعل الصراع الذي يدور في إيران يبدو ملهما لأنه يجمع العديد من العناصر النظرية التي تناولناها سابقا، فهو يقدم نموذجا واضحا لما يمكن تسميته بالصراع الشبكي، فلو كانت واشنطن تمثل المركز الدولي، بالإضافة إلى كونها مركز شبكي، يدير قواعد المنظومة، فإن طهران بدورها تقود شبكة تحمل تمردا صريحا على المركز، كان الأكثر قابلية للانفجار عن الشبكات الأخرى، خاصة إذا ما نظرنا إلى مكوناتها والتي تعتمد بالأساس على تنظيمات وميليشيات لا ترقى إلى مرتبة الدول ولكن لديها تأثير بحكم تاريخها الذي استمدته من مظلة المقاومة في مواجهة الاحتلال، وهو ما يجعل الحرب الدائرة اليوم أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط موقع هذه الشبكة داخل النظام الشبكي العالمي، وليس مجرد صراع عسكري تقليدي.
بينما تبقى إيران في الوقت نفسه طرفا في شبكات أخرى موازية، أو بالأحرى منافسة للشبكة الأمريكية، في ضوء علاقاتها الوثيقة مع الصين وروسيا والتي تمثل مراكز شبكية عصية على الكسر الكامل بالقبضة الأمريكية، وهو ما يمثل تنوعا في طبيعة الشبكات التي تشكلها الحقبة الجديدة، ويعكس إمكانية انفجارها في لحظة الخروج من الاطار التنافسي المرسوم لإدارة العلاقة، عبر سياسات التحوط، نحو التمرد الكامل على المركز الدولي، في إطار المضاربة بالسيادة.
فبالنظر إلى أهداف الحرب الدائرة، نجد أن ثمة اختلافات جذرية في أهدافها، فالاحتلال ليس في الحسبان، وحتى اسقاط النظام ليس الهدف الرئيسي، ولكنها تدور في إطار “هندسة” السيادة الإيرانية على النحو الذي يتوافق مع أهداف المركز الدولي، وهو ما ينعكس في تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول ضرورة القبول الأمريكي للمرشد الجديد، وهو ما يعني أن سقوط النظام القائم أو تغييره ليس أولوية، وإنما تطويع القرار السيادي قسرا ليدور في فلك المركز.
هذه المقاربة ليست جديدة في السياسة الأمريكية، بل يمكن رصد نماذج مشابهة لها في مناطق أخرى من العالم، كما حدث في الحالة الفنزويلية، وإن لم تصل الأخيرة لمرحلة المواجهة المباشرة على غرار الوضع الراهن في إيران، حيث لم يسقط النظام بأكمله، ولكن اكتفت واشنطن باعتقال مادورو وإبعاده عن السلطة، والهدف من وراء ذلك هو السيطرة على قرار كاراكاس فيما يتعلق بإدارة أصولها السيادية، وهو ما لا يرتبط فقط بالقرار النفطي وإنما تمتد إلى توجيه علاقاتها الخارجية وقراراتها الداخلية بما يتوافق مع مصالح المركز الدولي
الحالة الإيرانية، باعتبارها مركز المقال، جمعت في داخلها العديد من أدوات “حرب السيادة”، بدء من الاستنزاف السيادي، والذي بدأ منذ ما قبل المعركة المباشرة، في ضوء الاحتجاجات التي شهدتها العديد من المدن الفارسية، والتي كانت جزءً لا يتجزأ من الخطاب الأمريكي الاسرائيلي قبل الحرب وبعد اندلاعها، وهو ما يبدو في خطاب الرئيس ترامب ومنشورات بنيامين نتنياهو التي كتبها باللغة الفارسية داعيا الشعب الإيراني إلى اسقاط النظام، وهو ما لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن لعبة الخوارزمية، في ضوء ما وصفته بالتدفق الحر للمعلومات من القاعدة مقابل وضع القيود على تصدير الادوات التي من شأنها تحليل تلك المعلومات لإعادة تصديرها مجددا بحسب ما يراه المركز الدولي.
الطبيعة الشبكية للمعركة الحالية لا تقتصر في كونها معركة بين طهران كمركز شبكي متمرد واخر دولي يسعى لإعادة هندسة قرارها السيادي، وإنما يبدو بجلاء في الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، باعتبارها، بحسب رؤية طهران، امتدادا للشبكة التي تقودها واشنطن، في ضوء وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وهو ما يمثل “مضاربة” في إطار كونها اعتداء سافر على دول ليست اطراف في الصراع، وتملك قرارها السيادي في تشكيل تحالفاتها.
والرؤية الإيرانية لدول الخليج، باعتبارها امتدادا للشبكة الأمريكية، يعكس قصورا صريحا في الرؤية، أو بالأحرى قراءة منقوصة لواقع الـ”GAPS”، فدول الخليج تمثل قوى شبكية، تتواجد بالفعل كأطراف في الشبكة الأمريكية، ولكنها في المقابل هي تحظى بزخم في شبكات أخرى، حيث تجمعها شراكات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية مع شبكات موازية ومنافسة للمركز الدولي وشبكته.
في حين تبقى المراكز الشبكية الاخرى، على غرار روسيا والصين، أكثر تحوطا، فهي لم تنجر إلى المواجهة مع المركز الدولي، رغم علاقاتها مع طهران، وهو ما يتماهى مع رؤية قائمة على اجتناب تحويل المنافسة إلى إلى صراع مبكر يقوض فرصها في الاحتفاظ بشبكاتها التي تمثل الاداة التي تحتفظ لها بالبقاء في دائرة المنافسة، وتؤهلها لمزاحمة المركز الدولي على القمة العالمية.
وهكذا تبدو الحرب الدائرة على إيران أقرب إلى انعكاس مباشر لطبيعة الصراع في حقبة الـ”GAPS”، حيث لم تعد المواجهات الدولية تُحسم عبر احتلال الأرض أو إسقاط الأنظمة بالمعنى الكلاسيكي، بل عبر إعادة تشكيل القرار السيادي للدول داخل شبكة عالمية متشابكة تتحكم في تدفق الموارد والتكنولوجيا والمعلومات، فالصراع في هذه المرحلة لا يدور فقط حول من يملك القوة، بل حول من يمتلك القدرة على هندسة البيئة التي تتحرك في إطارها سيادات الدول الأخرى.
وهنا يمكننا القول بأن لنظام الدولي لا يظهر بوصفه ساحة مواجهة بين معسكرات صلبة كما كان في القرن الماضي، بل كشبكة معقدة تتقاطع فيها مراكز متعددة وأطراف فاعلة تتباين أدوارها بين التمرد والمنافسة وإدارة التوازن، فإذا كانت إيران تمثل نموذجًا لشبكة متمردة تسعى إلى المضاربة بسيادتها في مواجهة المركز الدولي، فإن قوى أخرى في الإقليم تميل إلى تبني مقاربة مختلفة تقوم على إدارة علاقاتها مع أكثر من شبكة في آن واحد، وبين هذين النموذجين تتشكل ملامح الصراع في المرحلة الراهنة، حيث لم تعد السيادة مجرد حدود جغرافية، بل أصبحت موقعا داخل شبكة عالمية تتحدد قيمته بقدر ما تملكه الدولة من قدرة على المناورة داخلها.
إقرأ أيضا
من “GATT” إلى “GAPS”.. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
“GAPS”.. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ”GAPS”
فلسفة الـ”GAPS”.. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم
من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ”GAPS”
من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ”GAPS”
حرب السيادة.. طبيعة الصراع في حقبة الــ GAPS
الـ GAPS وبنية النظام العالمى.. أحادية قطبية وتعددية شبكية