مع انحسار موجات البرد القارسة وبداية تنفس الأرض تحت شمس دافئة، يبدأ”برمهات”، فى الشهر السابع في التقويم المصري القديم والثالث في فصل “برت” (فصل الإنبات)، وتحديدًا فى 10 مارس ويمتد حتى 8 أبريل من كل عام في السنين البسيطة، أما في السنين الكبيسة، فقد يزاحم هذا الموعد بفارق يوم واحد (ليبدأ في 11 مارس).

لا يمثل برمهات مجرد خانة زمنية في التقويم القبطى، بل هو أيقونة النماء، واللحظة التي يرى فيها الفلاح المصري ثمرة عنائه طوال العام، حيث تكتسي الحقول باللون الذهبي ويعلن المحصول عن نفسه بقوة.

الجذور التاريخية والتسمية

تعود تسمية “برمهات” إلى “با- إن- آمون- هات”، أي “المنسوب إلى أمنمحات”، وهو الاسم الذي ارتبط بالملك أمنمحات الأول، تخليداً لذكراه أو إشارةً إلى “عيد أمنمحات”، حيث ارتبط فى الذاكرة الشعبية، بالخير والوفرة، فهو الشهر الذي يفيض فيه الزرع ويستعد فيه الجميع لموسم الحصاد الأكبر.

 

عرس الأرض

يعرف برمهات بأنه “شهر الحصاد”، ففيه تصل المحاصيل الشتوية، وعلى رأسها القمح والكتان، إلى مرحلة النضج الكامل، وتتحول الحقول إلى خلايا نحل لا تهدأ، و هذا الارتباط الوثيق بين الشهر والأرض جعل المصريين يقدسونه كفترة للعمل والإنتاج، حيث يخرج الفلاح من طور “الرعاية والري” إلى طور “الجمع والجني”.

حكمة الأجداد في كلمات

لطالما كان الوجدان الشعبي المصري بارعاً في تلخيص طبيعة الشهور في جمل قصيرة ومن أبرز ما قيل ” برمهات.. روح الغيط وهات” وهو المثل الأشهر، ويحث الفلاح على الذهاب إلى الحقل لجلب الخيرات والمحاصيل التي نضجت، كناية عن الوفرة التي لا تحتاج إلا لمن يجمعها، و “عاش برمهات وطلع الحصاد”، و إشارة إلى انتهاء فترة الانتظار الطويلة وبدء جني الثمار، و “في برمهات يقوى الزرع والتبات”، حيث يصل النبات إلى أقصى قوته وصلابته قبل الحصاد.

أيام “الحسومات”

و رغم كونه شهر النماء، إلا أن برمهات لا يخلو من “تقلبات العجائز”، ففي الأسبوع الأول منه، وتحديداً في الفترة الانتقالية بين الشتاء والربيع، تأتي أيام “الحسومات” أو ما يعرف بـ “برد العجوز”، وهي ثمانية أيام (تبدأ غالباً في أواخر شهر أمشير وتنتهي في أوائل برمهات) تعرف ببردها الشديد ورياحها العاتية التي قد “تحسم” أو تقطع دابر البرد إيذاناً برحيله، ويقول المثل الشعبي عنها: “برد العجوز.. يخلي الصبية عوز”، في إشارة إلى قسوة البرد المفاجئ الذي يأتي في وقت يظن فيه الناس أن الدفء قد استقر.

برمهات بين المناخ والوجدان

و يمثل برمهات الاعتدال الربيعي، حيث تتساوى ساعات الليل والنهار تقريباً، وتبدأ الطبيعة في تغيير جلدها، وبالنسبة للمصريين، هو شهر الفرح الاجتماعي، ففيه تكثر المناسبات والأعياد المرتبطة بالأرض، وتنتعش الأسواق بفيض المحاصيل الجديدة.

ويثبت المصري القديم والحديث أن علاقته بالنيل وبالأرض ليست مجرد علاقة زراعية، بل هي رباط وجودي مقدس يتجدد مع كل “سنبله ” تنضج تحت شمس هذا الشهر، حيث يبقى “برمهات” شاهداً على عبقرية التقويم المصري الذي لم يغفل تفصيلة مناخية أو زراعية إلا ووثقها، ليظل هذا الشهر هو “ميزان السنة” الذي يمنح الجميع حصاد تعبهم، ويفتح الباب لنسائم الربيع التي تنعش الروح والأرض معاً.

وحذر الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، من عودة الأجواء الشتوية القارسة التي تميز شهر “طوبة” مشيرًا إلى أن البلاد ستشهد انخفاضاً ملحوظاً في درجات الحرارة خلال ساعات الليل، بدأت من ليلة الإثنين وتستمر أيام الثلاثاء، الأربعاء، والخميس.

ووصف فهيم هذه الليالي بأنها ستكون “شديدة البرودة”، مما يستوجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة للتعامل مع هذا التغير المفاجئ في درجات الحرارة الصغرى.

توصيات للمواطنين والمزارعين

تأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه بعض المحاصيل الزراعية مراحل نمو حرجة، مما يتطلب من المزارعين اتباع الإرشادات الفنية لتقليل آثار البرودة الشديدة على الإنتاجية.

كما شدد على ضرورة توخي الحذر من قبل المواطنين، خاصة المسافرين على الطرق السريعة وكبار السن والأطفال، لضمان سلامتهم من موجة الصقيع المرتقبة.
 

زيارة مصدر الخبر