عبر شخصية «أدهم» بمسلسل «أب ولكن»، جسد الفنان محمد فراج مأساة مئات الآباء الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها غرباء عن أبنائهم، وباحثين عن أى تواصل حقيقى معهم، بعيدًا عن الأحكام القانونية وساعات الرؤية الباردة داخل جدران النوادى، هذا إن استطاعوا رؤية أطفالهم من الأساس.تكرار مأساة «أدهم» فى مسلسل «أب ولكن»، دفع «الدستور» لفتح باب المناقشة حول ملف التحايل على «حق الرؤية»، المنصوص عليه قانونًا، واستغلاله لـ«الانتقام بالأطفال» بعد الطلاق، مع التركيز على بيان تأثيره على حالة الطفل النفسية والسلوكية، والبحث عن حلول قانونية لتنظيم هذا الحق، من أجل مصلحة الطفل والمجتمع. آباء: الحقوق القانونية «حبر على ورق» وندفع ثمن الطلاق بالحرمان من أطفالنا إلى الأبدالواقع الذى نرصده جميعًا، وتكشفه التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى حول مسلسل «أب ولكن»، وغيره من الأعمال الدرامية المشابهة، يؤكد أن حالة «أدهم»، بطل المسلسل، ليست حالة فردية درامية، بل هى «بطل» متكرر فى ردهات محاكم الأسرة المصرية، حيث تضيق السبل بآباء لم يرتكبوا ذنبًا سوى أنهم «انفصلوا» عن زوجاتهم، فدفعوا الثمن «حرمانًا» من فلذات أكبادهم.ومن بين هذه الحالات، حالة «أحمد. م»، مهندس، الذى أوضح أنه بعد طلاق استمر لثلاث سنوات وجد نفسه عاجزًا عن رؤية ابنه الوحيدة «٨ سنوات».ويقول «أحمد»: «فى كل مرة أذهب لمكان الرؤية فى النادى تفتعل الأم مشكلة أو تدعى مرض ابنى، فلم أرَه منذ ١٤ شهرًا، وكل ما أملكه هو أحكام قضائية ورقية لا تجد طريقًا للتنفيذ، بينما ابنى يكبر وهو لا يعرف حتى نبرة صوتى».الحالة الثانية هى لـ«محمود. ع»، مدرس، الذى يعانى من إصرار طليقته على اصطحاب الطفل للرؤية وهى تزرع فى عقله أن والده هو سبب كل مآسيهم.ويقول «محمود»: «أنتظر أثناء الرؤية لمدة ٣ ساعات وابنى يرفض حتى النظر إلىّ، بعد أن تم غسل دماغه بالكامل، ليتحول حبه لى إلى خوف ونفور».الأمر نفسه ينطبق على حالة «ياسر. س»، محاسب، الذى يواجه أزمة تغيير محل إقامة الأم، دون علمه.ويقول: «بمجرد صدور حكم الرؤية، قامت طليقتى بنقل إقامتها إلى محافظة بعيدة جدًا دون إخطار رسمى، ما جعل تنفيذ الحكم ضربًا من المستحيل عمليًا، نظرًا لمشقة السفر على الصغير».الطب النفسى: 60% من اضطرابات الأطفال ناتجة عن الانفصال غير السوى للآباء والأمهات أكد عدد من خبراء الطب النفسى والصحة النفسية أن تربية الطفل بعيدًا عن الأب أو الأم هى فكرة ضد الفطرة والطبيعة الإنسانية، محذرين من أن زرع الكراهية من أحد الأطراف ينعكس على الطرف نفسه، خاصة مع استمرار الصراع، واستخدام الطفل كوسيلة ضغط أو انتقام، لما يمثله ذلك من خطر على الطفل نفسه.وشددوا على ضرورة تنحية الخلافات الزوجية جانبًا أثناء التعامل مع الأطفال، مؤكدين ضرورة التواصل الفعال والتعاون بين جميع أفراد الأسرة، بما فى ذلك الأجداد، لضمان رؤية آمنة للطفل تحمى سلامته النفسية وتؤكد هويته الذاتية.وكشف الدكتور إبراهيم مجدى، استشارى الطب النفسى، عن أن نحو ٦٠٪ من حالات الاضطرابات النفسية لدى الأطفال الذين يترددون على عيادته يجمعهم عامل مشترك واحد، وهو انفصال الأهل بشكل غير سوى.وقال «مجدى»: «المشكلة تبدأ من استغلال الأبناء كأداة لتصفية الحسابات أو تفريغ شحنات الغضب تجاه الطرف الآخر، ما يخلق حالة من الاضطرابات، تشمل فرط الحركة، وضعف الانتباه، وسوء السلوك، والتبول اللا إرادى، وصولًا إلى تعاطى المخدرات فى سن مبكرة». وأشار «استشارى الطب النفسى» إلى أن غياب الأب يترك فجوة رقابية وغيابًا لـ«الكنترول»، خاصة فى مرحلة المراهقة التى تتسم بالتمرد والانفجار الهرمونى، حيث تجد الأم نفسها وحيدة فى مواجهة هذا الانفلات السلوكى، وغالبًا ما تنكر وجود مشكلة حتى لا تُتهم بالتقصير من قِبل الأب الذى يسارع بدوره لإلقاء اللوم عليها قائلًا: «هذا نتاج تربيتك».الأمر نفسه أكدته الدكتورة شروق السيد بدران، استشارى الصحة النفسية وعلاج الإدمان، بقولها إن أى طفل يحتاج إلى علاقة مستقرة مع كلا الوالدين لبناء ما يُعرف بنمط «التعلق الآمن»، موضحة أن تقييد الرؤية، خاصة إذا كان الأب حاضرًا قبل الطلاق، يشعر الطفل بانقطاع حاد فى هذا الرابط العاطفى.وأشارت، استشارى الصحة النفسية، إلى أن الدراسات تؤكد أن الحرمان المتكرر من أحد الوالدين قد يؤدى إلى ارتفاع مستويات القلق وعدم الأمان العاطفى، وضعف تقدير الذات، وصعوبة فى تنظيم المشاعر، بالإضافة إلى زيادة احتمالية ظهور مشكلات سلوكية أو اجتماعية.وفرقت، الاستشارية النفسية، بين الحزن الطبيعى لدى الطفل بعد الطلاق، الذى يعد استجابة طبيعية لحدث ضاغط، وهو ما يتلاشى تدريجيًا مع شعور الطفل بالأمان، وبين الاضطراب النفسى، الناتج عن الحرمان المتكرر أو الصراع المستمر حول الرؤية، والذى يظهر على هيئة أعراض اكتئابية، وسلوك عدوانى أو انسحابى، وتدهور مستمر فى الأداء الدراسى، وقلق مزمن ومنهك للنمو العاطفى.وفيما يخص اختلاف استجابة الطفل لتلك الأوضاع حسب العمر، أوضحت الاستشارية النفسية أن الطفل فى مرحلة رياض الأطفال، أى فى سنواته المبكرة، يعتمد بشدة على الروابط العاطفية، وغياب الأب يظهر لديه فى صورة قلق انفصال واضطرابات نوم، أما طفل المدرسة فيبدأ فى فهم فكرة الانفصال لكنه يشعر بأنه عالق بين الطرفين، مما يولد لديه شعورًا بالذنب وصعوبة فى التركيز.أما بالنسبة للمراهق، فأشارت إلى أنه يفسر الأحداث بشكل أكثر تعقيدًا وغضبًا، وقد يظهر غضبه فى صورة تمرد أو سلوكيات خطرة أو انسحاب عاطفى وصعوبات فى الثقة بالآخرين.من ناحيتها، فصلت الدكتورة ناهد شوقى، استشارى الصحة النفسية، التأثيرات السلبية لتقييد رؤية الأب بعد الانفصال، موضحة أن الطفل يُصاب بحالة من الفقد والحرمان، ما يضاعف لديه مشاعر الخوف والقلق والحزن.ونبهت إلى خطورة تأثر العلاقات الاجتماعية للأبناء بسبب الصراع بين الآباء، ما يجعل الطفل يميل عادة نحو الانطوائية أو البحث عن بدائل عاطفية خارج بيئته، ويدفعه فى كثير من الأحيان للجوء لوسائل التواصل الاجتماعى للتعارف على مجهولين، وهو ما يعرضه لمخاطر جسيمة.وقالت: «رد فعل الطفل يتشكل حسب عمره؛ فالصغار يظهر فقدهم فى صورة بكاء مستمر وتعلق مرضى بأى فرد يمنحهم الأمان، بينما يلجأ طفل المدرسة للكذب أو السرقة بدافع الاستحواذ والحصول على الأمان الذاتى، كنوع من العدوان غير المباشر على المجتمع الذى يراه يتمتع بحياة طبيعية يفتقدها هو، فضلًا عن ظهور أعراض تشتت الانتباه والعنف، فيما تسيطر على المراهقين مشاعر الغضب والإحباط، فتظهر سلوكيات التمرد، ومصاحبة رفاق السوء، وقد يصل الأمر إلى السقوط فى دائرة الإدمان لتعويض الجانب الاجتماعى المفقود».وحذر الخبراء من تأثير الحرمان والصراع بين الآباء والأمهات على الأطفال، موضحين أن هناك علامات تحذيرية تتضمن لجوء بعض الأطفال لإيذاء النفس، مثل شد الشعر أو جرح أنفسهم أو الانحراف السلوكى والعنف الشديد داخل المدرسة، مع التغيرات الواضحة فى المزاج، واضطرابات النوم والأكل، سواء بالزيادة أو النقصان، والانعزال، والانخفاض المفاجئ فى التحصيل الدراسى، أو الشكاوى الجسدية المتكررة من آلام البطن، وغيرها، مشيرين إلى أن ذلك قد يكون نوعًا من «العقاب» الذى يُوجهه الطفل للأهل، ردًا على أفعالهم.وأجمع الخبراء على أن الأب يمثل للذكور تحديدًا نموذجًا للسلوك والمسئولية، وعندما يغيب هذا النموذج أو تُشوه صورته عمدًا أمام الطفل تنعدم ثقة الطفل فى نفسه ويصبح شخصية مهزوزة، مضطربة، غير قادرة على اتخاذ القرار، ويعيش فى حالة دائمة من التوتر والقلق، كما أن غيابه الطويل يؤدى إلى الارتباك فى صورة الدور الذكورى وضعف الإحساس بالانتماء.ولفت الخبراء إلى أن بعض الأطفال الذكور قد يرفضون الإحساس بالذكورة لعدم وجود نموذج يتحمل المسئولية، بينما قد تتجه الإناث نحو «الأنثوية المفرطة» أو تعدد العلاقات لتعويض الأمان المفقود. محامٍ بالنقض: الصراع القانونى يمثل حالة «استنزاف» تفوق فى أثرها الطلاق نفسهالأبعاد القانونية ليست بعيدة عن طبيعة الأزمة، خاصة فى ظل ما يتراكم من قضايا فى محكمة الأسرة، وأكد الخبير القانونى صبرة القاسمى، المحامى بالنقض، أن الغالبية العظمى من النزاعات تنشأ بسبب محاولة استخدام «الرؤية» كأداة للضغط أو الانتقام المتبادل.وكشف «القاسمى» عن وجود ثغرات قانونية يتم بسببها ربط حق الرؤية بمدى الالتزام بالنفقة بشكل غير قانونى، مع التعنت فى اختيار أماكن وتوقيتات الرؤية لإفساد التواصل الطبيعى، ما يحول هذا الحق الإنسانى إلى مجرد «ورقة مساومة».وأشار إلى أن تنفيذ الرؤية لـ٣ ساعات فقط فى مراكز الشباب أو النوادى يجعلها تبدو كـ«مهمة رسمية» لا لقاءً عائليًا، ما يحرم الأب من ممارسة دوره التربوى والعاطفى الحقيقى.وأوضح أن هناك ثغرات يستغلها البعض لتعطيل أحكام الرؤية، مثل «تغيير محل الإقامة دون إخطار»، أو تقديم شهادات طبية وهمية، مشيرًا إلى أن غياب «التنسيق الرقمى» يسهل عملية التهرب من هذا الحق القانونى.وحذر من أن نقل الحضانة مؤقتًا لمن يلى الأم فى حالة الامتناع قد يضاعف الضرر النفسى على الصغير، مشيرًا إلى أن الصراع القانونى يمثل حالة «استنزاف» تفوق فى أثرها الطلاق نفسه؛ حيث يتحول الطفل إلى «أداة» فى حرب والديه، ما يولد لديه شعورًا بالذنب وفقدان الأمان، وهو ما أثبتته الدراسات الواقعية، التى كشفت عن أن نسبة كبيرة من حالات انحراف الأحداث ناتجة عن هذه النزاعات المريرة التى تشوه صورة الوالدين، وتولد نقمة على المجتمع.وطرح الخبير القانونى «الاستضافة» كحل أمثل ومطلب عادل، يسمح للطفل بقضاء وقت حقيقى يتضمن «المبيت» فى منزل والده وأجداده لتعميق الروابط، مقترحًا أن تكون الاستضافة تدريجية ومحاطة بضمانات صارمة، مثل وضع الطرف غير الحاضن على قوائم المنع من السفر، وتوقيع غرامات رادعة فورية لضمان عدم «خطف الصغير».وقال: «يمكن تفعيل الاستضافة بضوابط أمنية تضمن مصلحة المحضون، مع تغليظ العقوبات على الحرمان لتصل إلى الحبس الوجوبى، وتفعيل دور مكاتب التسوية لتضم خبراء نفسيين يهيئون الطفل قبل التنفيذ، بالإضافة إلى إنشاء وحدات تنفيذ متخصصة (شرطة أسرية) بملابس مدنية، لتجنب مشاهد القوة الجبرية الصادمة».ودعا «القاسمى» الآباء والأمهات إلى جعل خلافاتهم حائطًا يحمى الأطفال، لا نارًا تحرق طفولتهم، مؤكدًا أن المنتصر فى معركة الحرمان هو الخاسر الأكبر لأمان ابنه النفسى ومستقبله الأخلاقى، لأن الطفل يحتاج لأب وأم معًا حتى لو افترق الزوج والزوجة.
جريدة الدستور, مقالات
12 مارس، 2026