في تاريخ الفن الإنساني ظل الموت أحد أكثر الموضوعات حضورًا وإثارة للتأمل، ليس بوصفه نهاية للحياة فحسب، بل باعتباره تجربة وجودية عميقة تكشف هشاشة الإنسان وتدفعه إلى البحث عن معنى البقاء والخلود. فمنذ النقوش الأولى على جدران المعابد والمقابر القديمة، وصولًا إلى اللوحات الحديثة والمعاصرة، لم يتوقف الفنانون عن تأمل هذه اللحظة الغامضة التي تقف عند الحد الفاصل بين الفناء والاستمرار.. وفي هذا السياق تتناول الكاتبة والباحثة شذى يحيي حضور الموت في الفن التشكيلي في التالي: الموت ليس مجرد نهاية بيولوجية للحياة قالت الكاتبة والباحثة شذى يحيى، إن الموت ليس مجرد نهاية بيولوجية للحياة، بل هو جزء أصيل من وجود الإنسان، يذكّره دومًا بقيمة الحياة وأهميتها. وتقول إن حضور الموت في الوعي الإنساني هو ما يخلق ذلك الشعور الدائم بضرورة التمسك بالحياة والاحتفاء بها، وهو ما انعكس بوضوح في تاريخ الفن عبر العصور. الفن تناول الموت منذ فجر الحضارات وأضافت شذى يحيى، أن الفن بوصفه تعبيرًا عن المخفي وإظهارًا لما لا يُرى، تناول موضوع الموت منذ فجر الحضارات. ولم يكن ذلك فقط بدافع محاولة كشف ألغاز الموت، بل لأن الفنانين عبر الزمن افتتنوا بالصمت والغموض والسحرية التي تحيط بهذه الحالة الإنسانية الفاصلة، وأولعوا بإعطاء شكل لما لا شكل له. حضور الموت بالنسبة للفنان لا يعني الغياب وأوضحت أن حضور الموت بالنسبة للفنان لا يعني الغياب بقدر ما يعني استعادة الحياة في صورة جديدة؛ فالفنان ينظر إلى الموت بسكون واحترام، ويستشرف جلاله وسطوته، محاولًا استكشاف الحضور الكامن فيه بدلًا من الاكتفاء بفكرة المحو والفناء. وأشارت شذى يحيى إلى أن لوحة الفنان الإسباني بابلو بيكاسو الأخيرة التي رسمها عام 1973 تمثل نموذجًا معبرًا عن هذه الحالة الفنية، حيث تبدو المواجهة المباشرة بين الفنان والموت حاضرة في العمل، في لحظة تأمل عميق للوجود الإنساني. وأضافت أن الفن لا يملك القدرة على إحياء الموتى، لكنه يستطيع أن يعبر عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الإنسان والموت، وأن يعرّفنا بأن الموت ليس مجرد نهاية للحياة، بل حالة تشكل الأحياء عبر تسلله الهادئ إلى كل شخص مع مرور الزمن. فهو حق مستحق على الإنسان، حتى لو ظل عصيًا على الفهم الكامل.
صدور كتاب “اضطراب إدمان الإنترنت” لـ محمد حسن غانم عن هيئة الكتاب
وترى شذى يحيى أن الموت يشبه الظل الذي لا نراه دائمًا، لكنه يضفي شكله على كل ما حوله، لأنه المقياس الحقيقي لفكرة الخلود والأثر. ومن هنا يأتي دور العمل الفني، الذي يحمينا من اللامبالاة، ويذكّرنا بقيمة ما هو هش وعابر في حياتنا. وأوضحت أن الفن يتيح للإنسان التواصل مع فكرة الموت بوصفها قوة تشكّل الذاكرة والشعور والشوق، كما أنها تذكّر الإنسان بالجهد البشري وبقيمة الحياة نفسها. وقالت شذى يحيى إن الفن المصري القديم كان في جوهره فنًا للاحتفاء بما بعد الموت، ولذلك استمرت التقاليد الفنية المصرية عبر العصور في الاحتفاء بالموت بوصفه مرادفًا للحياة، عبر الطقوس والرموز الفنية التي عبرت عن هذا التصور الوجودي.





