يعيش «الشق الأحمر» من مدينة ليفربول حالة من التخبط غير المسبوق خلال منافسات الموسم الجارى ٢٠٢٥/ ٢٠٢٦، فالفريق الأول لكرة القدم بالنادى الذى عانق المجد فى الموسم الماضى، يمر الآن بكابوس حقيقى فى كل المسابقات. ولعل العنوان الأبرز لهذا التراجع المريع ليس مجرد سوء طالع، بل الخلاف العميق الذى يضرب جذور غرفة الملابس، بين أيقونة النادى، النجم المصرى محمد صلاح، والمدرب الهولندى أرنى سلوت، الأمر الذى يستلزم فتح ملف الأزمة والتحليل الدقيق للأرقام والتكتيك، لوضع اليد على الأسباب الحقيقية وراء الانهيار الفنى الذى يهدد «الريدز» فى هذا الموسم.المشهد الأخير فى مسلسل الإحباط لـ«الريدز» تجلى فى ليلة الأحد الماضى، عندما استضاف ليفربول نظيره توتنهام هوتسبير فى المواجهة التى كانت تعد فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام أحد المتصارعين على تفادى الهبوط، لكن المواجهة انتهت بتعادل مخيب للآمال بهدف لكل فريق، بعد أن تلقى أصحاب الأرض طعنة فى الدقيقة ٩٠، بتوقيع المهاجم البرازيلى ريتشارلسون.اللقطة الأبرز فى اللقاء لم تكن فى هدف توتنهام، بل فى مشهد ما بعد صافرة النهاية، حيث ظهر محمد صلاح غاضبًا بشدة، وانطلق سريعًا نحو النفق المؤدى لغرف الملابس بحالة من عدم الرضا الواضح، وانخرط فى حديث انفعالى حاد مع زميله الإيطالى فيديريكو كييزا.ولم تكن أزمة مباراة توتنهام وليدة اللحظة، لكونها تمثل امتدادًا لخلاف شهير نشب بين «الملك المصرى» ومدربه الهولندى منذ مطلع الموسم، وتحديدًا فى شهر ديسمبر الماضى.سلوت من جانبه، وفى محاولة لتبرير سوء النتائج، أشار ضمنيًا إلى أن تراجع مستوى صلاح التهديفى هو أحد أسباب أزمة الفريق، فما كان من الأخير إلا أن وجد نفسه حبيسًا لدكة البدلاء فى مباريات حاسمة.فى المقابل، لم يقف صلاح صامتًا أمام تهميش دوره، فخرج بتصريحات تليفزيونية نارية انتقد فيها صراحة طريقة تعامل المدرب وإدارة النادى معه. ولفهم سبب إحباط محمد صلاح الحقيقى يجب أن نعود خطوة إلى الوراء، وتحديدًا للموسم التاريخى ٢٠٢٤/ ٢٠٢٥ الماضى، ففى ذلك الموسم كان صلاح السبب الرئيسى فى تتويج ليفربول بلقب «البريميرليج» برصيد ٨٤ نقطة، بعد أن حصد لقب هداف البطولة بـ٢٩ هدفًا، ما الذى تغير إذن؟، الإجابة تكمن فى تمركز صلاح على أرض الملعب، بقرار من سلوت، حيث يبدو واضحًا أن المدرب الهولندى غيّر بشكل جذرى من تمركز صلاح، فنسبة وجود اللاعب داخل منطقة الجزاء هذا الموسم انخفضت بشكل حاد مقارنة بالموسم الماضى، ومن غير المنطقى أن يُطلب من لاعب يبلغ من العمر ٣٣ عامًا، ويقترب من الـ٣٤ أن يقوم بأدوار تستنزف سرعته بعيدًا عن المرمى.وبدلًا من إيجاد حلول تكتيكية تقرب صلاح من مناطق الخطورة، لتعويض أى تراجع بدنى طبيعى بحكم السن، قرر سلوت إبعاده، ما أفقده حسمه التهديفى المعتاد وجعله أكثر عُرضة للانتقاد. وإذا أردت أن تعرف حجم الكارثة، فانظر إلى لغة الأرقام، فالتقارير الإحصائية تكشف عن حقيقة مرعبة للمدرب الهولندى، فخلال حقبة أرنى سلوت التى امتدت لـ١٠١ مباراة مع ليفربول، أسهم صلاح بالتسجيل أو الصناعة فى ٥٠ مباراة، وغاب عن التسجيل فى ٥١ أخرى. وتكمُن نسبة المفارقة فى أن نسبة الفوز عند مساهمة صلاح تصل إلى ٨٢٪، بمعدل ٤١ انتصارًا، و٦ تعادلات، و٣ هزائم فقط، أما نسبة الفوز عند غياب مساهمة صلاح فتنهار إلى ٤٤٪، بمعدل ٢٢ فوزًا و٩ تعادلات و٢٠ هزيمة. وبعبارة أبسط، عندما يُحجم صلاح عن التسجيل أو يتم تهميشه فإن ليفربول يكون معرّضًا للخسارة بسبع مرات تقريبًا أكثر من المعتاد.ويُضاف إلى ذلك التخبط التكتيكى لسلوت فى «إدارة الوقت»، فصلاح، الذى يُصنف كخامس أعظم هداف فى تاريخ الدورى الإنجليزى، تُظهر الأرقام أن ٦٢٪ من أهدافه تأتى فى الشوط الثانى، والأكثر دقة أن أكثر من ٤٣٪ من أهدافه تأتى بين الدقيقة ٦١ و٩٠، ورغم ذلك، نرى سلوت يقرر تبديله مبكرًا قبل الدقيقة ٦٠، كما حدث ضد جلطة سراى التركى فى ذهاب ثمن نهائى دورى الأبطال، أو إقحامه متأخرًا، وهو ما وصفته مجلة «فور فور تو» بأنه «أكبر سوء إدارة لأى نجم فى تاريخ كرة القدم».سلوت خرج بعد مباراة توتنهام محاولًا احتواء الغضب الجماهيرى قائلًا: «أعتقد أننا شعرنا بالإحباط نفسه الذى شعروا به.. ليست هذه المرة الأولى التى نستقبل فيها هدفًا فى النهاية ونخسر نقاطًا.. غضب المشجعين أمر نتقبله تمامًا».لكن الاعتراف بالإحباط لم يعد كافيًا، فأرنى سلوت يقف الآن على مفترق طرق، فإما أن يتنازل عن عناده التكتيكى ويعيد بناء منظومته الهجومية لتتمحور حول نقاط قوة النجم المصرى وتجعله أقرب للمرمى، أو يستمر فى محاولاته البائسة لبناء نظام يُهمّش أفضل لاعبيه، فسلوت عاش بسيف صلاح فى الموسم الماضى، وللأسف، سيموت به كرويًا هذا الموسم إذا لم تتغير الأمور سريعًا.
جريدة الدستور, رياضة
18 مارس، 2026