في سياق اهتمامه العميق بالعلاقة بين العلوم النفسية والفنون، طرح الناقد والمفكر الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد رؤية تحليلية لجدلية العلاقة بين علم النفس وجماليات الأدب، مؤكدًا أن هذا التفاعل، رغم ضرورته، قد تأخر طويلًا لأسباب معرفية ومنهجية متشابكة.كشف الناقد والأكاديمي الراحل شاكر عبد الحميد، عبر دراسة مطولة نشرت له تحت عنوان “الدراسات النفسية والأدب” بمجلة عالم الفكر في عددها الثالث الصادر يناير 1995، أن علم النفس، بما يشتمل عليه من دراسات ونظريات متعددة، يملك أدوات ثرية يمكن أن تسهم في فهم الأدب، سواء على مستوى الإبداع أو النقد، إلا أن هذا التفاعل «الخصب والمثمر» — كما يراه — لم يتحقق بالصورة المأمولة، بل ظل محدودًا ومتأخرًا عبر تاريخ هذا العلم، قديمه وحديثه.
أبرز أسباب تأخر الدراسات النفسية للأدب
ورأى أن أحد أبرز أسباب هذا التأخر يعود إلى الاعتقاد الذي ساد في المراحل المبكرة من نشأة علم النفس، بأن الموضوعات الجمالية — وعلى رأسها الأدب — عصية على التناول التجريبي الدقيق، إذ تتسم بالمراوغة وتفلت من القياس الكمي، وهو ما جعلها خارج نطاق الاهتمام العلمي المنهجي.

“هيئة الكتاب” تطلق 4 عناوين جديدة ضمن “الأعمال الكاملة” للدكتور شاكر عبد الحميد
ويؤكد عبد الحميد أن علم النفس، في سعيه لترسيخ ذاته كعلم موضوعي ينتمي إلى العلوم الطبيعية الصارمة، عمل على إبعاد نفسه عن مجالات الإنسانيات والجماليات، لما تتسم به من طابع ذاتي وتعبيرات مرنة، وهو ما أدى إلى ترسيخ نوع من الفصل المصطنع بين مجالي العلم والفن.
تصنيف أزمة الثقافتين زائف
وذهب إلى أن هذا الفصل أسهم في تكريس ما عُرف لاحقًا بـ«أزمة الثقافتين»، ذلك المفهوم الذي يشير إلى التضاد بين ثقافة العلم القائمة على الصرامة والموضوعية، وثقافة الأدب والفن القائمة على الحدس والانفعال، معتبرًا أن هذا التصنيف زائف في جوهره، إذ تكشف دراسات عديدة عن وجود عناصر فنية داخل العلم، وأخرى علمية داخل الأدب والفن.ولفت عبد الحميد إلى عامل ثالث يتمثل في طبيعة المادة الأدبية نفسها، بما تحمله من خصوصية وتعقيد، الأمر الذي جعل إخضاعها للتحليل النفسي الموضوعي أمرًا أكثر صعوبة مقارنة بفنون أخرى كالرسم أو الموسيقى، التي بدت أكثر قابلية للتجريب والتكرار.وأكد أن هناك عاملًا رابعًا لا يقل أهمية، يتمثل في حالة من اللامبالاة التاريخية لدى بعض علماء النفس تجاه دراسة الجماليات عمومًا، والأدب خصوصًا، وهو ما ارتبط بتراكم اتجاهات سلبية في هذا الحقل، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع التحليل النفسي.وذهب عبد الحميد إلى أن العامل الأخير في هذا التأخر يعود إلى موقف الأدباء والنقاد أنفسهم، حيث أبدى كثير منهم تحفظًا، بل ورفضًا، للتعاون مع الدراسات النفسية العلمية، خشية اختزال العمل الأدبي في تفسيرات نفسية قد تُفرغه من أبعاده الجمالية والإنسانية.واختتم عبد الحميد رؤيته بالتأكيد على أن تجاوز هذا الانفصال يتطلب إعادة بناء الجسور بين العلم والأدب، والانفتاح على مقاربات تكاملية تدرك أن الإبداع ليس نقيضًا للعلم، بل شريكًا له في فهم الإنسان وتعقيداته.