ترى الباحثة المغربية نزهة بو عزة أنه غالبًا ما يتم شحن أو نعت مفهوم الإيديولوجيا بشحنة سلبية، فنكون أمام مقاربة معيارية تتأسس على تقييم إقصائي يسلب المفهوم إمكانية أن يعبر، بمعنى ما، عن جانب إيجابي.وأوضحت، في تصريحات خاصة لـ”الدستور” حول رؤية المثقف وموقفه من الحرب الدائرة في الإقليم: “فحتى إن كانت هذه القراءة نفسها تتواجد بين طرفي نقيض، وهو ما قد يُعيبها، إلا أنها بالمقابل ترسم إمكانية الإيجاب الذي قد يرافق مفهوم الإيديولوجيا، خصوصًا عندما يرتبط الأمر باللحمة الوطنية أو الوحدة الإقليمية”.
شيطنة الإيديولوجيا تُربك موقف المثقف من الحرب
إن صبغ مفهوم الإيديولوجيا بالسلب يتعلق بمآلاتها التصنيفية لعمل المثقف، الذي يرفع في الغالب مطلب الحياد والموضوعية، وهو أمر يحمل في ثناياه مجموعة من الإشكاليات التي قد تشكك في إمكانيته. إن الوضع الحالي في منطقة الشرق الأوسط يقدم مناسبة لإيضاح متلازمة الإيديولوجيا، بمعنى ما، التي قد ترافق عمل المثقف، والتي يصعب تقييمها سواء بالإيجاب أو السلب؛ إذ لا وجود، إن جاز القول، لرؤية سياسية في غياب الجانب الإيديولوجي، خصوصًا في سياق الوضع الراهن لمنطقة الشرق الأوسط. وهو أمر ناتج عن عدة نقاط يمكن تلخيصها في: طبيعة الأنظمة العربية وكذا تحالفاتها الإقليمية والدولية، وطبيعة النظام الإيراني ورؤيته الإقليمية وطموحاته الدينية، والوجود الإسرائيلي وسرديته الاستيطانية، والوضع الاقتصادي والسياسي الدولي، والأمريكي بوجه خاص.واستطردت: يمكن رصد عدة مسارات لقراءة المثقف العربي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي قد تمتد من المأمول الأخلاقي لمفهوم الحرب وصولًا إلى رصد أزمة التفكك التي طالت ولا تزال تنخر الجغرافيا العربية راهنًا. ورغم اختلاف هذه المسارات، إلا أنها تكشف عن صعوبة تملص المثقف العربي من شرنقة التسييج السياسي الذي تفرضه بشكل ضمني الأنظمة السياسية التي ينتمي إليها. فالمأمول الأخلاقي يحاول أن يترفع عن الواقع حتى لا يتشابك مع حتميات الراهن السياسي، أما رصد الراهن العربي فيرنو للتماهي مع ما هو كائن بغية اجتناب الاصطفاف الإيديولوجي السياسي، ورغم اختلاف هذه المسارات، إلا أنها تظل، بمعنى ما، تحمل في ثناياها متلازمة الإيديولوجيا التي لا تخندق بالضرورة وفق معيار السلب أو الإيجاب.صحيح أن التاريخ السياسي لإيران خلق لها عزلة سياسية ساهمت في تبرير موقع الحياد تجاه مآلاتها السياسية والاقتصادية عربيًا، كما تعمقت هذه العزلة إلى نمط من العداء الإيديولوجي الحقيقي الذي يقف على طرفي النقيض بين توجهات سياسية عربية تسير على النموذج العلماني الغربي، ونموذج يشيد النسق السياسي وفق ولاية الفقيه، إلا أنه في المقابل قد يكون العداء الإيديولوجي بين إيران وإسرائيل وأمريكا عداءً صوريًا سينتهي بتحقيق التوازنات بين الدول المتصارعة عبر الحرب أو المفاوضات، رغم أن العداء الأخير هو محفز العداء الأول بغية تحقيق المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة. لهذا من المهم ألا يغذي المثقف التوجهات الاصطفافية التي تزكي التوجهات الإيديولوجية التي لا تخدم المنطقة بقدر ما تزيد من تفككها داخليًا وتبعيتها خارجيًا.وأكدت أن حضور متلازمة الإيديولوجيا في قراءة بعض المثقفين العرب لمجريات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكذا استهداف إيران للقواعد الأمريكية في دول الجوار، يتم تأطيره وفق قالب يضم، بشكل حميمي، توليفة لمتناقضين: الحياد والتعاطف، أو ما قد نسميه بـ”الحياد المجروح”، أي تحييد الحرب ما بين إيران وأمريكا وإسرائيل بما يزكي أو يرجح التحيز الإيديولوجي الوطني والإقليمي.إن هذا “الحياد المجروح”، الذي يغطي حرجية التحيز الديني والأخلاقي رغم وجوده ضمنيًا، مرده بالأساس إلى تراكمات إيديولوجية قامت لعقود على نمط من التصنيف المانوي الترجيحي الذي يقابل بين نمطين يبدوان على طرفي النقيض، مما يجعل هذا الصراع يتغذى على النفي والإزاحة بدلًا من أن يتأسس على ثقافة الاعتراف والتعايش.كأننا أمام حرب وجودية تتقوى على سرديات دينية وإيديولوجية متعاكسة لا يغذيها سوى الحرب والنفي والإقصاء (إسرائيل/إيران). إن هذا الصراع قد ساهم لعقود في بناء عقيدتين وضعتا نفسيهما في خانة الأضداد بغية رفع راية النصر والقيادة الإقليمية على حساب مصلحة المنطقة ذاتها، حيث صار منطق الاصطفاف حتمية تزكي الحرب.