صدر عن دار العين كتاب «من التاجر إلى الساحر: تحولات صورة اليهود في سيرة الظاهر بيبرس» للباحث عمرو عبد العزيز منير، الذي يقدم دراسة موسعة عن وضعية اليهود في المجتمع المصري خلال عصر سلاطين المماليك، مسلطًا الضوء على دورهم الاقتصادي والاجتماعي، وتأثيرهم على الوعي الشعبي والصور الذهنية المتداولة عنهم.

سعر اليورو اليوم الأربعاء 25-3-2026 أمام الجنيه في ختام التعاملات
ينطلق الكتاب من فرضية محورية مفادها أن اليهود لم يكونوا طائفة هامشية، بل كانوا جزءًا متداخلًا في مختلف نواحي الحياة اليومية، يتمتعون بحريات نسبية، ويملكون الثروات، كما برزت نساؤهم في الأسواق والحمامات والأماكن العامة دون تمييز عن نساء المسلمين، وفقًا لما وثقه المؤرخ ابن الأخوة في القرن الرابع عشر، هذه الممارسات الاجتماعية والاقتصادية تعكس مستوى الانسجام والتعايش بين اليهود والمجتمع المصري، وهو ما يعزز فكرة الانصهار الاجتماعي الذي تمخض عنه التاريخ. يستعرض الكاتب حياة اليهود اليومية والمناسبات الاجتماعية، موضحًا أنهم شاركوا المسلمين في الأتراح والأفراح على حد سواء، ففي حكايات ألف ليلة وليلة، نجد اليهود يقدمون الدعم والمواساة للمسلمين في أوقات المحن، كما في الليلة العشرين من الحكايات، حين يسهم أحد اليهود في تهدئة حسن بعد وفاة والده، ويعرض شراء مركب تجاري لتعويضه، ما يدل على التعاون العملي والاجتماعي بين الطائفتين، ويشير المؤلف إلى التشابه بين بعض الصفات الأخلاقية لدى اليهود والمسلمين، مثل الصدق والصفاء والدعة، ما يعكس القواسم المشتركة بين أبناء المجتمع المصري. كما يسلط الكتاب الضوء على ممارساتهم اليومية، من احترام الأعراف، والتشارك في الطعام بنفس الطريقة، وإقامة الولائم في المناسبات المهمة، مثل وليمة الختان (الحانوكاه) التي تعكس الطابع الاجتماعي والاحتفالي لديهم، ويشير المؤلف إلى المصاهرات والعلاقات بين اليهود وغيرهم، موضحًا أن الإسلام سمح بمرونة أكبر في التفاعل الاجتماعي، بينما فرضت بعض المذاهب اليهودية قيودًا محددة على الزواج بين الطوائف. توفر وثائق الجنيزا أدلة إضافية على التشابه بين التكوين الداخلي للعائلات اليهودية والعائلات المصرية، ما يعكس قدرة اليهود على الانخراط الكامل في النسيج الاجتماعي المصري، وتبني لغته وعاداته وتقاليده، كما يؤكد الكتاب على أهمية فهم العلاقة بين السرد الشعبي والتاريخ المصري في عصر المماليك، الذي وثق هذه الصور الحية لتعايش الأديان والثقافات. في النهاية، يقدم كتاب «من التاجر إلى الساحر» قراءة معمقة توضح أن اليهود لم يكونوا مجرد طائفة هامشية، بل عنصرًا نشطًا ومؤثرًا في المجتمع المصري، مشاركًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يجعل الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم التحولات الاجتماعية والوعي الشعبي في العصور الوسطى المصرية، وصور الأقليات في تاريخ المنطقة.