اليوم السابع, ثقافة 26 مارس، 2026

بين جدران “دار الفتياني” العتيقة، لم تكن الحجارة وحدها ما يحفظ التاريخ، بل كانت أنفاس الأجيال وتفاصيل الحياة اليومية تُغزل لتصنع ملحمةً إنسانيةً فريدة، في إصدار لافت للمركز القومي للترجمة، نعود لنبش الذاكرة مع رواية “كان ياما كان في القدس”؛ حيث تمزج الكاتبة سحر حمودة ببراعةٍ بين الواقع والتدوين الاجتماعي، لتنقلنا عبر ترجمة هند فتياني ومراجعة مصطفى رياض، إلى قلب مدينة مقدسة محافظة، عاشت عائلةٌ بين شوارعها تحت وطأة الاحتلال وظلال حرب 1948.

 

كتاب يرسم صورة حياة كاملة لعائلة عاشت قبل النكبة

هذا الكتاب ليس مجرد سردٍ سياسي، بل وثيقة اجتماعية رفيعة، تتبع خطى أناسٍ عاديين باغتتهم قوى التاريخ العاتية، فبددت عالمهم المستقر، ودفعت الراوية إلى ترويض روحها على فكرة المنفى القاسية، وقد قضت المؤلفة ساعاتٍ طويلةً في المكتبات ومحال الكتب، تجمع شتات المادة، لا لتقدم تاريخًا جافًا، بل لترسم صورة حياةٍ كاملةٍ لعائلةٍ عاشت قبل النكبة؛ حياةً كانت تفيض بالتفاصيل، قبل أن يغدو العيشُ بسلامٍ ضربًا من المستحيل.

وبمشاركة أصواتٍ متعددةٍ سكنت ذلك البيت، كما سكنت صفحات الكتاب، تتداخل الحكايات لتؤكد أن البيت في هذا المقام ليس جدرانًا وسقفًا، بل هو الحكاية ذاتها.. وهويةٌ تأبى النسيان رغم قسوة الرحيل.

ففي القدس، لا تنتهي الحكايات بانتهاء الكلمات، بل تبدأ حين يستحيل الوطنُ ذاكرة.. وتغدو الذاكرةُ الملاذَ الأخير، فما المنفى إلا محاولة مستمرة لترميم بيت لم يسقط من القلب.

زيارة مصدر الخبر