أكد الدكتور شريف طاهر فريد، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة بأكاديمية السادات، أن الموازنة العامة الجديدة للعام المالي 2026/2027 تعكس توجهًا واضحًا نحو تحقيق الانضباط المالي وتعزيز الاستدامة الاقتصادية، مشيرًا إلى أنها تحمل مؤشرات إيجابية على مستوى الأهداف الكلية، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بتحديات تنفيذية وإدارية تتطلب كفاءة عالية في التطبيق.

 تحقيق فائض أولي بنسبة 5% من الناتج المحلي

وأوضح فريد في تصريحات خاصة لـ”الدستور”، أن استهداف تحقيق فائض أولي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل نحو 1.2 تريليون جنيه، يُعد مؤشرًا قويًا على جدية الدولة في ضبط أوضاع المالية العامة، كما يمثل رسالة طمأنة للمؤسسات الدولية والمستثمرين بشأن قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق توازن مالي مستدام. وأضاف أن هذا الهدف، رغم أهميته، يتطلب كفاءة كبيرة في تحصيل الإيرادات العامة، إلى جانب إحكام السيطرة على النفقات، بما يضمن عدم الإخلال بجودة الخدمات الأساسية.وأشار إلى أن خفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي يعد هدفًا طموحًا، يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار تحسن الإيرادات الضريبية غير النفطية، فضلًا عن تراجع أعباء خدمة الدين، موضحًا أن تحقيق هذا المستهدف يرتبط أيضًا بمدى استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية والمحلية، خاصة فيما يتعلق بأسعار الفائدة وتكلفة التمويل.وفيما يتعلق بالدين العام، لفت فريد إلى أن استهداف خفض نسبة الدين إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2027 يمثل خطوة ضرورية على طريق استعادة الاستدامة المالية، لكنه مشروط بتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، إلى جانب الحفاظ على استقرار سعر الصرف، بما يحد من الضغوط على المديونية.وعن هيكل الإيرادات والمصروفات، أوضح أن الزيادة المستهدفة في الإيرادات العامة بنسبة 27.6% لتصل إلى 4 تريليونات جنيه تبدو طموحة للغاية، وتستلزم توسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز كفاءة التحصيل من خلال ميكنة الإدارة الضريبية، دون التأثير سلبًا على النشاط الاقتصادي. في المقابل، أشار إلى أن زيادة المصروفات بنسبة 13.2% فقط، لتبلغ 5.1 تريليون جنيه، تعكس توجهًا تقشفيًا نسبيًا، قد يحقق الانضباط المالي، لكنه يتطلب في المقابل تحسين كفاءة الإنفاق لضمان عدم تراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية

وأضاف أن تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية، بنمو سنوي 12%، يعكس إدراك الدولة لأهمية دعم الفئات الأكثر احتياجًا في ظل الضغوط التضخمية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بدقة، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من تسرب الموارد، مشيرًا إلى أن رصد 90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادي، مع ربط الحوافز بتحقيق نتائج ملموسة، يمثل توجهًا إيجابيًا نحو رفع كفاءة الإنفاق العام، لكنه شدد على ضرورة وجود مؤشرات أداء واضحة وآليات متابعة دقيقة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.وحذر فريد من بعض المخاطر المحتملة، موضحًا أن الاعتماد على تحقيق فائض أولي كبير قد يأتي على حساب الإنفاق الاستثماري إذا لم تُنفذ إصلاحات هيكلية حقيقية في جانب الإيرادات، كما أن تقلبات أسعار الصرف أو ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا قد تؤثر سلبًا على تحقيق مستهدفات العجز والدين.

 ثقة المستثمرين

وعلى الصعيد الإداري، أكد أن إعلان أرقام تفصيلية للموازنة يعكس تحسنًا في مستوى الشفافية المالية، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين، كما أن دمج موازنات 65 هيئة اقتصادية ضمن الموازنة العامة يمثل خطوة مهمة نحو إحكام الرقابة وتقليل الاقتراض الموازي، مضيفًا أن تبني آليات التحوط لإدارة المخاطر يعكس تطورًا في إدارة المالية العامة، مشيرًا إلى أهمية أن تشمل هذه الآليات تقلبات أسعار الفائدة وسعر الصرف، إلى جانب أسعار السلع العالمية.وشدد على أن نجاح الموازنة يعتمد بشكل كبير على كفاءة التنفيذ، وسرعة إصدار القرارات التنفيذية، وتعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، بما يحقق التوازن بين خفض العجز وتحفيز النمو الاقتصادي، مؤكدًا على أن الموازنة الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار المالي، لكنها تظل مرهونة بقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الحوكمة والرقابة، بما يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المستهدفة. 

زيارة مصدر الخبر