رحل عن عالمنا مساء الأمس، الجمعة 27 مارس، الكاتب والصحفي سمير غريب، صاحب التجربة الصحفية المتميزة؛ فقد كانت له اهتمامات مختلفة في عالم الصحافة والأدب، بتتبعه لأهم التجارب الأدبية، والتي كان من أبرزها تجربة محمود حسين، التي أولاها اهتماما خاصا، حيث جمعته صداقة خاصة بأصحاب التجربة، بل لم يكتف بذلك حين قرر أن يوثق لتجربتهم الثقافية في كتاب بعنوان “محمود حسين كما عرفته”، فوثق للتجربة وللصداقة التي جمعته بأصحابها، المفكران عادل رفعت وبهجت النادي.وفي الأسطر التالية، نعيد قراءة هذا الكتاب ونعايش التجربة.
نادرا ما يستطيع الإنسان أن يخلق من علاقاته الإنسانية مصيرا مشتركا على المستوى العملي، إذ اعتدنا أن يخشى الإنسان من أن يندمج إلى هذا الحد في تجربة مشتركة.وهنا يكمن تميز واختلاف التجربة الفكرية التي قدّمها المفكران عادل رفعت وبهجت النادي، اللذان دربتهما تجربة السجن السياسي المشتركة على أن يفكّرا وكأنهما شخص واحد، بل ويكتبا ويقدما أعمالهما في صورة مقالات وكتب تحمل توقيعًا مشتركا باسم واحد عُرفا به في العالمين العربي والغربي: محمود حسين.
بالرغم من انتماء كل منهما إلى بيئة اجتماعية مختلفة، وتفاوت سنوات العمر فيما بينهما، جمعتهم الصدفة أكثر من مرة في بدايات مرحلة الشباب. اللقاء الأول كان في أحد اجتماعات لجان تشكلت من أجل السلام بعد انعقاد مؤتمر باندونج في إبريل 1955، وكانت لجانا يسارية سرعان ما ألغيت في مصر، بينما استمرت صداقة عادل وبهجت، ليتطوع الصديقان في العام التالي 1956 لمحاربة العدوان الثلاثي على بورسعيد.
ظل عادل وبهجت يساريين بالرغم من تغيرات المرحلة التي عاصروها في ذلك الوقت، فسُجنا معًا، لكن كعادة الصديقين في استثمار الفرص التي تجمع بينهما، تعلم بهجت اللغة الفرنسية من عادل في السجن.
وكأن القدر يرسم خيوط حكايتهم المتشابكة إنسانيًّا وأدبيًّا، فقد انتهت رحلة عادل وبهجت في مصر، ليرحل الصديقان إلى فرنسا عام 1966، التي كانت محطة هامة في تشكيل هويتهما الفكرية، ليصبحا “محمود حسين”، اسما واحدا يعبر عنهم، يوقّعان به أعمالهما الأدبية ما بين الكتب والمقالات الصحفية التي ظلا يكتبانها معًا، عدا كتاباتهما ولقاءاتهما الشهيرة في مجلة رسالة اليونسكو، حيث كان بهجت رئيسا لتحريرها، وعادل مديرا للتحرير.
من هما عادل رفعت وبهجت النادي؟ وماذا يعني “محمود حسين” لدى كلٍّ منهما؟ ولماذا اختار الصديقان اسمًا مستعارًا لكتاباتهما؟ وكيف استطاعا أن يتشاركا الكتابة، هذا العمل الشاق الأناني، طوال هذه المدة دون أن يختلفا أو يتخلى أيٌّ منهما عن الفكرة؟
تكمن الإجابة بين صفحات كتاب “محمود حسين كما عرفته”، للكاتب سمير غريب، الصادر عن دار الشروق لهذا العام 2025، كما يتحدث الكاتب أيضًا عن الصداقة التي جمعته بعادل وبهجت، ولماذا اختص تجربتهما بهذه الصفحات.
يبدأ الكتاب بمقدمة يتحدث فيها عن دوافعه لكتابة هذه المذكرات، والتي كان أبرزها رفض عادل وبهجت الكتابة عن تجربتهما الشخصية والعملية، فأراد الكاتب أن يقوم بهذا الدور نيابة عنهما، في حدود الصداقة التي جمعته بهما، وسمحت له بأن يكون الأكثر معرفة بتاريخهما، ومن ثم تقديرًا لقيمتهما الفكرية.
ثم يذهب إلى شرح الآلية التي اتبعها في كتابة هذه السيرة، من حيث أسلوب السرد واللغة وترتيب الفقرات، والحديث عن دوافعه خلف هذا الأسلوب.
وبالفعل، بمجرد أن يبدأ القارئ في تتبع الحكاية، يدرك أنه أمام سيرة ذاتية كُتبت بطريقة مختلفة، فلم تكتب كما جرت العادة بالترتيب الزمني أو حتى ترتيب الأحداث، بل قرر أن يتناولها من منظور العصف الذهني للذكرى، وكأنه يجلس بجانبك يحدثك عنهما، وكلما تذكر جزءًا استرسل في روايته بالكامل، ثم يذهب إلى جانب آخر، وهكذا حتى نهاية المذكرات.
كما جمعت هذه المذكرات بين الحكي بصوت الراوي، وهو الكاتب، ثم اليوميات التي استند فيها إلى رسائل عادل وبهجت المباشرة إليه، التي كانا يتبادلانها معه طوال سنوات، ثم المقالات التي كتبت عن أعمالهما، والحوارات التي أجرياها، والحوارات المباشرة التي دارت بينهما كأصدقاء.
ينتقل الكاتب فيما بعد إلى الصدفة التي اختصته بلقاء محمود حسين، ويرجعها الأسناذ بهجت النادي إلى لقاء جمعهم في مكتب فاروق حسني، وزير الثقافة، عام 1988.
ومن هذه الذكرى، تومض في ذهن الكاتب ذكريات خاصة بينه وبين بهجت النادي، بصفة خاصة في فرنسا، التي ينطلق منها إلى رصد ظروف سفر عادل وبهجت إلى فرنسا عام 1966، ليقررا الإقامة والعمل فيها، ولم يعودا إلى مصر إلا بعد مرور 21 عاما للزيارة.لكنهما طوال تلك الفترة وطدا علاقتهما بمصر بشكل أعمق، وعملا على خدمة وإثراء وجه مصر الثقافي في العالم، حيث ظلا يتحدثان باسمها في اللقاءات التليفزيونية، ولم يثنهما شيء في العالم عن ذلك، بالرغم من أن سفرهما إلى فرنسا كان لجوءًا سياسيا.
وبالرغم من ذلك، لم يحصل أي من عادل وبهجت على الجنسية الفرنسية إلا بعد 17 عامًا، بواسطة شخصية مرموقة كان لها دور هام في حياتهما، فلم يطلب أي منهما الجنسية، وكانا مكتفيين بتجديد الإقامة.
من هذه النقطة، ينطلق الكاتب إلى الحديث عن جذور عادل وبهجت، وظروف نشأة كل منهما على حدة، لتسيطر على المذكرات في ذلك الجزء تقنية “الفلاش باك” بلغة أهل السينما، يتذكر مواقف عديدة من الحياة العائلية لكل منهما، ويمزج بينها وبين ما عرفه شخصيا فيما بعد.
وفي هذا الجزء أيضًا، ضوء أخضر يسلط على التركيبة الاجتماعية المختلفة للمجتمع المصري في ذلك الوقت، التي تمثلت في عادل وبهجت، فمنهم من ينتمي للقرية، والآخر ابن لأسرة أرستقراطية، لكن المناخ العام في مصر الثقافي والسياسي كان يجمع كافة الطبقات فكريًّا، فقد كانت هناك مساحة من التلاقي الفكري في ميادين العمل العام بالسياسة والثقافة، ومساحة التعليم الجاد الذي كان يبني الشخصيات إن استطاعوا الحصول عليه.
ثم يتحدث الكاتب من خلال رسالة طويلة عن علاقة الصداقة التي جمعت بين بهجت النادي والكاتب الشهي
بوابة الشروق, ثقافة
28 مارس، 2026