بوابة الشروق, ثقافة 30 مارس، 2026

يعد عمرو دياب، أحد أهم المغنين المصريين، وبلا شك هو من الأكثر نجاحا خلال الأربعين عاما الماضية. الاستمرارية التي حظي بها، والتجديد الذي واظب عليه، والنجاح الفني والجماهيري المنقطع النظير، كلها عوامل تؤكد أن مسيرته الغنائية تستحق الوقوف عندها وتأملها مطولا.
وهذا ما يحاول فعله كتاب “أيامنا.. رؤية موسيقية واجتماعية لمسيرة عمرو دياب” للكاتب والناقد الفني مصطفى حمدي، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع العام الماضي.
ينشغل مصطفى حمدي في كتابه بتتبع المسيرة الممتدة لعمرو دياب عبر السنوات، وعلى خلاف بعض الكتابات التي تركز على الحياة الشخصية للفنان، ينحاز هذا العمل إلى الجانب الفني، محللا تأثير هذه المسيرة على شكل الأغنية المصرية، وكيف أسهم دياب في تشكيل ذائقة أجيال متلاحقة من الشباب.
يبدأ الكاتب من البدايات، حيث يظهر عمرو دياب الشاب الحالم الذي يسعى لأن يكون مطربا مختلفا. نراه هنا باحثا عن طريقه، متلمسا ملامح مشروعه الفني، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز نجوم الموسيقى في العالم العربي.
ويستعرض الكتاب الألبومات الأولى، التي ربما لم تحقق نجاحًا كاسحا، لكنها مهدت الطريق لما سيأتي لاحقا. من الغناء في الملاهي الليلية إلى المسارح الكبرى والفنادق الراقية، وصولا إلى ألبوم “ميال” الذي شكل نقطة التحول الأولى في مسيرة نجاح طويلة.
ومن المحطات المهمة التي يتوقف عندها الكتاب تجربة فيلم “آيس كريم في جليم”، والتعاون مع المخرج خيري بشارة، حيث يقدم قراءة تتجاوز كونه فيلما غنائيا، ليضعه في سياق التغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر في تلك الفترة، معتبرا إياه عملا يعكس روح جيل كامل.
ولا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي، بل يمنح مساحة واضحة للتحليل الموسيقي، خاصة فيما يتعلق بدور التوزيع، باعتباره أحد أهم مفاتيح تجربة عمرو دياب. وهنا يبرز التعاون مع حميد الشاعري، الذي أسهم في تشكيل ملامح مرحلة كاملة، وكذلك طارق مدكور، الذي كان شريكا أساسيا في عدد من أبرز محطات النجاح.
ويؤكد الكاتب في أكثر من موضع على جرأة عمرو دياب الفنية، وميله الدائم إلى التجديد والتجريب، وسعيه المستمر لمواكبة التحولات في الموسيقى العالمية، مستعرضا نماذج متعددة من ألبوماته المختلفة.
ويمتد التأثير الذي يرصده الكتاب إلى الجانب الاجتماعي، حيث يتوقف عند تفاصيل مثل ملابسه في “آيس كريم في جليم”، و”بلوفر” أغنية “تملي معاك”، وكيف تحولت هذه العناصر إلى ظواهر تقلدها الشباب، في دلالة على حضور يتجاوز الموسيقى إلى تشكيل الذوق العام.
كما يسلط الضوء على رؤية عمرو دياب الفنية، لا بوصفه مغنيا فقط، بل صانعا للموسيقى؛ ملحنا قادرا على تشكيل الجملة اللحنية، وفنانا يمتلك وعي اختيار الموزع المناسب، ومنتجا يدير مشروعه وفق ما تقتضيه الصناعة.
ويؤرخ الكتاب لما يسميه “الثورة الأولى” التي قادها عمرو دياب في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، عبر الخروج على الشكل التقليدي للأغنية، مستعينا بأنماط موسيقية متعددة مثل الفلامنكو وغيرها.
ثم يتابع ما يصفه بـ”الثورة الثانية” في مطلع الألفية، حيث استطاع دياب مواكبة التحولات الجديدة، في وقت تراجع فيه بريق العديد من أبناء جيله.
كما يتناول تطور فكرة الفيديو كليب في مسيرة عمرو دياب، وكيف حوله من مجرد لقطات داخل استوديوهات مغلقة إلى أعمال أقرب للأفلام القصيرة، من خلال تعاونات مع مخرجين بارزين، من بينهم طارق العريان.
ولا يغفل الكتاب جانب الكلمات، متوقفا عند الشعراء الذين تعاون معهم دياب، سواء من الأسماء التي برزت معه مثل تامر حسين وأيمن بهجت قمر، أو من أعاد تقديمهم برؤية مختلفة مثل مدحت العدل، وصولا إلى تجارب لافتة مثل غنائه لبعض أشعار ابن زيدون.
ويولي اهتماما كذلك بعمرو دياب الملحن، الذي قدم عددا من الألحان المميزة، خاصة في أعمال مثل “آيس كريم في جليم”، بما يعكس تكامل رؤيته الفنية.
ويصل الكتاب إلى عمرو دياب في مرحلته الراهنة، حيث يواصل محاولاته لمواكبة تطورات العصر، سواء في الألحان أو التوزيع أو الكلمات، حتى في ظل صعود أنماط مثل المهرجانات، التي تعامل معها بوعي، محافظا على أسلوبه، مع الاقتراب الحذر من روحها دون الانزلاق إلى ابتذالها.
في النهاية، يعد كتاب “أيامنا” عملا توثيقيا مهما لمسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود، وتمتزج فيه القراءة التاريخية بالتحليل الفني.
وتكمن أهميته الأكبر في كونه يفتح بابا لإعادة التفكير في تجربة عمرو دياب، بوصفها ليست مجرد رحلة لمغني ناجح، بل مسيرة متصاعدة لصانع موسيقى حقيقي ومتجدد.

زيارة مصدر الخبر