• قراءات نقدية تستجلي أسئلة الوجود والهوية في تجربة قصصية مشبعة بالقلق الإنساني
احتفى منتدى عبد الحميد شومان الثقافي، بحضور كبير من المثقفين والكتاب والمهتمين بالشأن الأدبي، بإطلاق أحدث مؤلفات الأديب الأردني جلال برجس، المجموعة القصصية “نحيل يتلبسه بدين أعرج”، الصادرة حديثًا عن دار الشروق المصرية، وذلك مساء أمس الإثنين في أمسية ثقافية اتسمت بالحوار العميق والقراءات النقدية التي تناولت العمل من زوايا جمالية وفكرية متعددة.
وأدار الندوة نزار الحمود، بمشاركة القاصة ووزيرة الثقافة الأسبق بسمة النسور، والدكتور عمر العامري، حيث قدم كل منهما قراءة نقدية توقفت عند ملامح البناء الفني والدلالي للمجموعة، وما تطرحه من أسئلة تتصل بالإنسان في واقعه الراهن.
وقالت القاصة بسمة النسور إن جلال برجس يمسك ببراعة بعناصر فن القصة القصيرة، عبر لغة مختصرة مكثفة، تجمع بين البساطة والعمق، وتتحرر من فائض الحكي والشرح والتبرير، ما يمنح النصوص طاقة إيحائية عالية. وأشارت إلى أن الشخصيات تتحرك ضمن وحدة زمان ومكان منضبطة، غير أن الكاتب يفتح لها فضاءً واسعًا للتعبير عن ذواتها وأفكارها، بما تحمله من رؤى وأحزان ومخاوف وهواجس وأحلام وانكسارات واضطرابات نفسية وقلق وجودي عميق.
وأضافت النسور أن هاجس الموت يشكل خيطًا ناظمًا لمعظم قصص المجموعة، إذ يتسلل بوصفه قدرًا إنسانيًا لا يمكن الفكاك منه، ويعيد تشكيل وعي الشخصيات بالعالم من حولها.
وقدمت النسور قراءة تطبيقية لعدد من القصص، من بينها “مدينة العيون المتلصصة”، التي رأت أنها تكشف، عبر شخصية الموظف الجديد، عن بنية اجتماعية مأزومة تقوم على التلصص وانتهاك الخصوصية، حيث يفضح النص مواقف وأسرارًا وسقطاتٍ شديدة الخصوصية من حياة الآخرين، في سياق يكشف هشاشة العلاقات الإنسانية وتشظيها.
ولفتت إلى أن الكاتب يوظف عناصر البيئة، مثل الحر القائظ ودرجات الحرارة المرتفعة، بوصفها معادلًا موضوعيًا لحالة الاختناق النفسي التي تعيشها الشخصيات، خاصة في علاقتها المرتبكة والمبهمة، ما يعكس حالة الانكشاف الكبرى في مدينة مستباحة الخصوصية.
وتحت عنوان “جدلية العلاقة بين العتبات النصية والمتن السردي” تناول الدكتور عمر العامري البعد التأويلي لعنوان المجموعة، معتبرًا أنه يشكل مفتاحًا دلاليًا لقراءة العمل بأكمله.
وأشار إلى أن اختيار عنوان “نحيل يتلبسه بدين أعرج” عنوانًا لإحدى القصص وللمجموعة في آن، ينطوي على رغبة في تكثيف الفكرة المركزية التي تنتظم القصص، وتدفع القارئ إلى طرح أسئلة حول الهوية والازدواجية والضعف الإنساني.
وبيّن العامري أن مفردة “نحيل” تحيل، من الناحية السيميائية، إلى الهشاشة والضياع، وهي صفات تتكرر في شخصيات المجموعة التي تدور، في مجملها، حول قضايا وجودية كبرى، كالاغتراب والتشيؤ والعبث وفقدان المعنى. كما لفت إلى أن ورود الكلمة بصيغة النكرة يعمّق الإحساس باللايقين وفقدان الهوية، ويجعل الشخصية قابلة للانطباق على نماذج إنسانية متعددة.
وفي تحليله لإحدى قصص المجموعة، أشار العامري إلى حضور ثيمة الكتابة بوصفها فعلًا تطهيريًا، حيث تتحول إلى وسيلة للتخفف من ثقل الأسئلة والآلام التي ترهق الشخصية، وهو ما يتجلى في عدد من المقاطع التي تكشف علاقة حميمة بين الكتابة والنجاة من الانهيار الداخلي.
وفى الختام أكد العامري على أن جلال برجس نجح في توظيف الموازيات النصية توظيفًا فنيًا ودلاليًا متماسكًا، بحيث لم تأت منفصلة عن المتن الحكائي، بل أسهمت في بناء علاقة جدلية متنامية بين العتبة والنص، عبر انسراب الدلالات وتعالقها العضوي مع البنية السردية، على المستويين الجمالي والموضوعي.
وفي كلمته خلال الحفل، أوضح الأديب جلال برجس أن “النحول” في هذه المجموعة يمثل الإنسان الحالم بحياة خالية من الحروب والدماء، بينما ترمز “البدانة” إلى التحولات الثقيلة التي تعيق هذه الأحلام وتثقل كاهل الإنسان المعاصر. وأكد أن شخصيات المجموعة ليست متخيلة بالكامل، بل هي امتداد لواقع معاش، يمكن العثور عليه في شوارع المدن العربية، بما تحمله من أزمات نفسية ووجودية.
واستعاد برجس مقولة الأديب الراحل غسان كنفاني: “لا أستطيع الكتابة عن الياسمين وأنا أشم رائحة البارود”، مشيرًا إلى أن الكتابة لا تنفصل عن واقعها، وأنها تنحاز بطبيعتها إلى الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره.
كما أشار إلى أنه أهدى هذه المجموعة إلى جدته سلمى، التي شكلت مصدره الأول في اكتشاف الحكاية، مؤكدًا أن الذاكرة الشفوية الأولى تظل حاضرة في تجربته، وأنها تمثل أحد الجذور العميقة لوعيه السردي.
وبيّن برجس أن شخصيات هذه المجموعة موجودة في كل مكان، في عمّان وبغداد والقاهرة وسواها من المدن العربية، في مرحلة ما تزال مثقلة بالتحولات والصراعات، لكنها، رغم ذلك، لا تتخلى عن حلمها بالانتصار للإنسانية وإقصاء أدوات الحروب.
ويُعد جلال برجس من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ تُوِّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن روايته “دفاتر الوراق”، كما وصلت سيرته الروائية “نشيج الدودوك” إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب حضور أعماله في قوائم الجوائز الكبرى، مثل “سيدات الحواس الخمس” و”معزوفة اليوم السابع”.
كما حصد برجس جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته “أفاعي النار”، وجائزة رفقة دودين للإبداع السردي عن “مقصلة الحالم”، فضلًا عن جائزة روكس بن زائد العزيزي عن مجموعته القصصية “الزلزال”. وقد ترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والهندية والإيطالية والفارسية، ما يعكس حضورًا متناميًا لتجربته على الصعيد العالمي.
وتتنوع تجربة برجس بين الشعر، عبر دواوينه “كأي غصن على شجر”، و”قمر بلا منازل”، و”كجرح في نحر أبيض”، وأدب المكان في “شبابيك مادبا تحرس القدس” و”رذاذ على زجاج الذاكرة”، إضافة إلى كتاباته النقدية في “حمى القراءة… دوار الكتابة”، إلى جانب منجزه الروائي والقصصي.