فى إطار الجهود الوطنية المتواصلة لمواجهة الأمية، تواصل الهيئة العامة لتعليم الكبار تنفيذ خططها بالتنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة، مستندة إلى رؤية شاملة تستهدف القضاء على الأمية بحلول عام ٢٠٣٠، تماشيًا مع ما نص عليه الدستور والقوانين المنظمة لهذا الملف.ويُعد ملف محو الأمية إحدى أبرز القضايا التنموية التى ترتبط ارتباطًا مباشرًا ببناء الإنسان وتعزيز قدراته. ولم تعد المواجهة تقتصر على الجوانب التعليمية فقط، بل امتدت لتشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية ورقمية، من خلال شراكات متعددة مع الوزارات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدنى.فى الحوار التالى مع «الدستور»، يتحدث محمد عطية، مستشار وزير التربية والتعليم المشرف العام على الهيئة العامة لتعليم الكبار، عن أبرز الأرقام المتعلقة بالأمية ومواجهتها، إلى جانب الحديث عن ملف محو «الأمية الرقمية» والتثقيف المالى.■ بداية.. كم تبلغ نسبة الأمية فى مصر حاليًا؟- الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء هو الجهة الرسمية المسئولة عن إصدار الإحصاءات فى مصر. ووفقًا لبياناته الصادرة بمناسبة «اليوم العالمى لمحو الأمية»، انخفض معدل الأمية بين الأفراد من سن ١٠ سنوات فأكثر من ٢٥.٨٪ عام ٢٠١٧ إلى نحو ١٦٪ عام ٢٠٢٤، بانخفاض يقارب ٩.٢٪.ووفقًا لبيانات الإدارة العامة لنظم المعلومات والتحول الرقمى بهيئة تعليم الكبار، وتحليل تقارير الأداء خلال الفترة من ١ يوليو ٢٠٢٥ حتى ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥، بلغ إجمالى المستهدف ٧٧٤ ألفًا و٩٧٤ دارسًا، بينما تم محو أمية ٧٨٩ ألفًا و١٣٨ دارسًا، بنسبة إنجاز بلغت ١٠١.٨٪، وذلك مع نجاح كل فرد من العاملين فى الهيئة فى محو أمية حوالى ١٤ دارسًا فى السنة.■ ما المحافظات التى تشهد أعلى معدلات أمية؟ وهل تتركز فى الصعيد فقط؟- تعمل الهيئة وفق تقديرات دورية لمعدلات الأمية. سجلت بعض المحافظات ما يقارب «الصفر الافتراضى» فى معدلات الأمية، مثل جنوب سيناء والوادى الجديد والبحر الأحمر. بينما تقترب محافظات أخرى من هذه النسبة، مثل دمياط والسويس وبورسعيد والإسماعيلية.ولا يمكن القول إن الصعيد هو الأعلى بشكل مطلق، فالأمر لا يرتبط بإقليم جغرافى بعينه، ومعدلات الأمية تختلف من منطقة لأخرى داخل المحافظة الواحدة، وقد نجد مناطق فى الدلتا أيضًا تعانى من نسب مرتفعة وفقًا للظروف الاجتماعية والاقتصادية.ويظل بعض المحافظات، مثل المنيا وأسيوط والفيوم وسوهاج، إلى جانب البحيرة، من أكثر المحافظات التى تسجل نسبًا أعلى نسبيًا، وتصل معدلات الأمية فى بعض المناطق بها إلى ما يقرب من ربع السكان فى الفئة العمرية من ١٠ سنوات فأكثر. وهو ما تتعامل معه الهيئة من خلال خطط تستهدف هذه المناطق بشكل مباشر، مع التركيز على نشر الوعى، والتوسع فى برامج محو الأمية بالتعاون مع الجهات المختلفة.فى المقابل، أعلى المحافظات من حيث الأداء المتعلق بمحو الأمية الدقهلية بنسبة ١٨٤.٤٪، تليها جنوب سيناء بنسبة ١٧٨.٢٪. بينما أقل المحافظات البحر الأحمر بنسبة ٤١.٩٪، والوادى الجديد بنسبة ٥٣.١٪.■ ما أبرز التحديات التى تواجه برامج محو الأمية؟ – من أبرز التحديات انشغال الأميين بالعمل اليومى، ما قد يحد من قدرتهم على الانتظام فى الفصول. لذا تم إدخال حزم خدمات متكاملة تجمع بين التعليم والتأهيل المهنى، ما يتيح للدارس فرصة التعلم واكتساب مصدر دخل فى الوقت نفسه.كما يتم دعم المتحررين من الأمية بمشروعات صغيرة عبر الجمعيات الأهلية وصناديق التمويل، مثل تربية المواشى والدواجن، ومناحل العسل، والمشغولات اليدوية، إلى جانب إقامة معارض لتسويق المنتجات.بينما يتم تدريب السيدات الملتحقات بفصول محو الأمية على حرف وصناعات تراثية مثل المنتجات الجلدية، والكروشيه، وصناعة السجاد اليدوى، والخياطة، ما يسهم فى تحسين مستوى الدخل.وتتمثل أبرز التحديات الأخرى فى العادات والتقاليد، مثل عدم تعليم الفتيات، أو الزواج المبكر، وهو ما يتم التعامل معه من خلال حملات توعية وندوات تستهدف تغيير الثقافة المجتمعية، وتعزيز الوعى بأهمية التعليم.■ كيف يتم التنسيق بين الهيئة ووزارة التربية والتعليم والجهات الأخرى؟- تعد الوزارات المختلفة شريكًا استراتيجيًا فى مشروع محو الأمية، فى إطار رؤية الوصول إلى مصر بلا أمية بحلول ٢٠٣٠. وزارة التربية والتعليم تتعاون فى الحد من التسرب من التعليم الأساسى، وتوفير فرص تعليمية لمن هم فى سن الدراسة، إلى جانب إتاحة فصول محو الأمية داخل المدارس فى الفترات المسائية والليلية.أما وزارة التضامن الاجتماعى فأطلقت مبادرة «لا أمية مع تكافل»، التى تستهدف محو أمية أكثر من ١٠٠ ألف مواطن سنويًا، خاصة المستفيدين من برنامجى «تكافل وكرامة». بينما تبنت وزارة الشباب والرياضة مبادرة «المصريون يتعلمون» لدعم جهود محو الأمية.■ وماذا عن دور الجامعات والشباب؟- تمثل الجامعات شريكًا رئيسيًا فى دعم منظومة تعليم الكبار، إذ تسهم بقدراتها البشرية فى ذلك، عبر مشاركة الطلاب فى محو أمية المواطنين فى نطاق مجتمعاتهم، خاصة جامعات: «طنطا» و«المنصورة» و«المنوفية» و«أسيوط» و«الأزهر»، التى يشارك طلابها فى محو أمية عدد من الأميين كشرط للتخرج. حققت بعض الجامعات، مثل «المنصورة» و«عين شمس»، نجاحات بارزة، وحصلتا على جائزة «كونفوشيوس» التى تقدمها منظمة «يونسكو» تقديرًا لجهودهما فى مجال محو الأمية.■ وبالنسبة لدور المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية؟- يلعب المجتمع المدنى دورًا مهمًا فى التوعية، من خلال الجمعيات المنتشرة فى مختلف المناطق. وتتركز الجهود على إقناع الأسر بأهمية التعليم. لكن المساهمة ما زالت فى معظمها تعتمد على مبادرات فردية، ما يستلزم وجود آليات ملزمة للشركات والمؤسسات على مستوى الجمهورية لضمان مشاركتها بشكل أكثر فاعلية فى جهود محو الأمية، ما ينعكس بشكل إيجابى على النتائج.■ كيف تستفيد الهيئة من التكنولوجيا والتحول الرقمى؟- فى ظل التطور التكنولوجى، لم تعد الأمية تقتصر على القراءة والكتابة، بل ظهرت أنماط متعددة منها «الأمية الرقمية»، و«الأمية المالية»، و«الأمية الثقافية».تعمل الهيئة على دمج محو «الأمية الرقمية» ضمن برامجها، خاصة مع انتشار الخدمات الرقمية مثل المدفوعات الإلكترونية، وبطاقات التموين، والمعاشات الرقمية، ما يساعد المواطنين فى مواكبة متطلبات العصر.وتتم الاستفادة من معامل الحاسب الآلى لتعليم الدارسين أساسيات التكنولوجيا، وتمكينهم من التعامل مع الخدمات الحكومية الرقمية، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية لإعداد وتأهيل المدربين بالتعاون مع الجهات الشريكة.كما نعمل على ربط الهيئة المركزية فى القاهرة بالفروع فى المحافظات والإدارات المحلية، بحيث تكون لدينا بيانات دقيقة لكل دارس، بمساعدة الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لتحديد أماكن الأميين بدقة.■ ما أبرز جهودكم فى محو الأمية المالية؟- حاليًا يتم تنفيذ مبادرة بالتعاون مع البنك المركزى وبنك التعمير والإسكان، فى إطار التثقيف المالى، حيث يتم تدريب الدارس على كيفية التعامل مع البنوك، واستخدام البطاقات والخدمات المالية بأمان.كما تشمل الجهود برامج للتمكين الاقتصادى، تستهدف مساعدة الدارسين على اكتساب مهارات جديدة تؤهلهم للحصول على فرص عمل مختلفة، أو بدء مشروعات صغيرة تسهم فى تحسين مستوى دخلهم.ما الرسالة التى تود توجيهها للمواطنين للمشاركة فى القضاء على الأمية؟- العلم هو أساس نهضة الأمم، والمشاركة فى محو الأمية تمثل مسئولية مجتمعية، فمساعدة شخص أمى على التعلم ليست مجرد عمل تطوعى، بل استثمار حقيقى فى مستقبل الوطن. ومن خلال التعاون وتكاتف الجهود يمكن تحقيق هدف القضاء على الأمية، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وتقدمًا.محو الأمية مسئولية كل فرد فى المجتمع، فكل من لديه شخص أمى فى محيطه يمكنه تشجيعه على التعلم. والتسجيل مجانى، ويمكن الالتحاق بفصول محو الأمية من خلال إدارات الهيئة فى المحافظات، ومع التقدم فى التعلم يمكن للدارس أن يصل إلى مراحل تعليمية أعلى مثل الإعدادية والثانوية، وقد يمتد إلى التعليم الجامعى أو الدراسات العليا.

زيارة مصدر الخبر