ثقافة, جريدة الدستور 7 أبريل، 2026

في مشهد يختلط فيه الحزن بالامتنان، رحلت اليوم الفنانة التشكيلية زينب السجيني (10 فبراير 1930 – 7 إبريل 2026)، إحدى أبرز رموز الفن المصري الحديث، تاركة خلفها مسيرة ثرية من الإبداع والبحث البصري. ويأتي رحيلها بعد وقتٍ قصيرمن تكريمها في المعرض العام للفنون التشكيلية – الدورة الخامسة والأربعون -، ليمنح هذا التكريم بعدًا إنسانيًا خاصًا، بوصفه لحظة تقدير أخيرة لمسيرة امتدت لعقود. 

تكريم أخير.. استعادة لمسيرة فنية ممتدة

 في دورته الخامسة والأربعين، حرص المعرض العام للفنون التشكيلية على الاحتفاء بتجربة زينب السجيني، باعتبارها واحدة من الفنانات اللاتي أسهمن في تطوير لغة التشكيل المصري، خاصة في مجال التكوينات الخطية والبناء البصري.وجاء التكريم تحت عنوان: «الخط كدليل للحركة والبناء»، وهو عنوان يلخص جوهر تجربتها، حيث لم يكن الخط في أعمالها مجرد عنصر زخرفي، بل تحوّل إلى مسار بصري يقود العين، ويعيد تشكيل العلاقة بين الشكل والفراغ. 

الخط كفلسفة تشكيلية

 في تجربة السجيني، تتجاوز الأشكال حدودها التقليدية، فلا تستقر داخل إطار جامد، بل تنفتح على الفراغ، وتتداخل وتتباعد في تكوينات تعكس وعيًا عميقًا بالبنية والتكرار الإيقاعي.

«الخط كدليل للحركة».. آخر تكريم للفنانة زينب السجيني قبل رحيلها
الخطوط هنا ليست حدودًا فاصلة، بل إشارات ديناميكية توجه الإدراك، وتخلق توازنًا دقيقًا بين الحركة والسكون، في حوار بصري مستمر.هذا التوجه جعل أعمالها أقرب إلى “بناء حي”، لا يتوقف عند سطح اللوحة، بل يمتد إلى ما وراءها، مستدعيًا مشاركة المتلقي في استكمال التجربة. 

مسيرة أكاديمية وفنية راسخة

 وُلدت زينب السجيني في القاهرة عام 1930، وتخرجت في كلية الفنون الجميلة – قسم الفنون الزخرفية – عام 1956، قبل أن تواصل دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957، وتحصل على دكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978.لم تقتصر مسيرتها على الإبداع الفني، بل امتدت إلى العمل الأكاديمي، حيث شغلت منصب رئيس قسم التصميمات بكلية التربية الفنية جامعة حلوان، ثم أصبحت أستاذًا متفرغًا، وأسهمت في إعداد أجيال من الفنانين. 

بين التراث والحداثة

 قدمت السجيني 15 معرضًا فرديًا، وشاركت في نحو 50 معرضًا جماعيًا، وشكّلت أعمالها امتدادًا لدراسة عميقة للفن المصري القديم، خاصة فنون الجداريات. لكنها لم تكتفِ بالمحاكاة، بل أعادت توظيف المفردات البصرية داخل رؤية حديثة، تحافظ على التكرار الإيقاعي، دون أن تفقد الإحساس بالحركة الحرة.

img
في أعمالها، يتحول التراث إلى مادة حية، قابلة لإعادة التشكيل، لا مجرد مرجع ثابت، وهو ما منح تجربتها خصوصية واضحة داخل المشهد التشكيلي المصري. 

دلالة التكريم.. ما بعد الاحتفاء

 لم يكن تكريمها في المعرض العام مجرد احتفاء بمسيرة طويلة، بل تسليطًا للضوء على تجربة جعلت من التكوين أداة لاختبار العلاقة بين الشكل والفراغ.ففي أعمالها، لا ينفصل العنصر عن امتداده، ولا تتوقف اللوحة عند إطارها، بل تستمر خارج حدودها عبر إيقاع بصري متصل. 

رحيل الجسد.. وبقاء الأثر

برحيل زينب السجيني، يفقد الوسط التشكيلي المصري اسمًا بارزًا، لكن أثرها الفني والأكاديمي سيظل حاضرًا، سواء في أعمالها أو في تلاميذها الذين يحملون ملامح مدرستها.ويبقى تكريمها الأخير في المعرض العام شاهدًا على تقدير مستحق، جاء في توقيت يحمل دلالة خاصة، كأنه تحية أخيرة لفنانة آمنت بأن الخط ليس مجرد أثر على سطح، بل طريق مفتوح نحو المعنى.

زيارة مصدر الخبر