اليوم السابع, ثقافة 7 أبريل، 2026

عندما دخل العرب مدينة الإسكندرية في القرن السابع الميلادي بقيادة عمرو بن العاص، وجدوا أنفسهم أمام واحدة من أعظم مدن العالم القديم، مدينة أبهرتهم بعظمتها العمرانية وجمالها الفريد، حتى خُيّل إليهم أنهم أمام عالمٍ مختلف عمّا عرفوه من مدن الشرق.

وصف عمرو بن العاص للمدينة

وقد نقلت المصادر التاريخية  أن عمرو بن العاص أرسل إلى الخليفة وصفًا للمدينة تضمّن أعدادًا هائلة من القصور والحمامات والأسواق، وهي أرقام يرى المؤرخون أنها قد تكون مبالغًا فيها، لكنها تعكس بوضوح مدى الانبهار الذي شعر به الفاتحون أمام ضخامة المدينة وتنظيمها.

وبحسب كتاب “وصف العرب لمصر” لـ ألفريد بتلر، تميّزت الإسكندرية بطابع معماري فريد؛ إذ كانت مبانيها وأرضياتها مكسوّة بالمرمر الأبيض، ما جعلها تبدو وكأنها مدينة مضيئة ليلًا ونهارًا. وقد ذكر بعض المؤرخين أن ضوء القمر كان ينعكس على الرخام فيُضيء الشوارع بدرجة تمكّن الناس من الرؤية دون مصابيح، في مشهد نادر لم تعرفه مدن أخرى.

كانت المدينة منظمة وفق تخطيط هندسي دقيق، تتقاطع فيها شوارع رئيسية واسعة، تحفّها الأعمدة والقصور والحدائق. كما ضمّت أحياء متعددة، يُرجّح أنها كانت مخصصة لفئات سكنية مختلفة مثل المصريين والروم .

ومن أبرز ما أثار دهشة العرب وجود منشآت تحت الأرض، مثل الصهاريج الضخمة متعددة الطوابق، والتي كانت تُستخدم لتخزين مياه النيل وتوفيرها للسكان طوال العام، في نظام هندسي متقدم يدل على عبقرية التخطيط.

احتوت الإسكندرية على عدد هائل من المباني الفخمة، من بينها القصور الملكية، والمعابد، والكنائس الكبرى، وعلى رأسها كنيسة “القيصريون” التي كانت من أعظم مباني المدينة، وقد بُنيت في الأصل معبدًا ثم تحولت إلى كنيسة.

كما لفتت الأنظار المسلّتان الضخمتان القائمتان أمام هذا المبنى، واللتان أثارتا إعجاب المؤرخين العرب، خاصة لما تحتهما من قواعد وتماثيل غريبة الشكل.

كانت منارة الإسكندرية أبرز معالم المدينة وأكثرها إثارة للإعجاب، إذ بلغ ارتفاعها مئات الأذرع، وكانت تُستخدم لإرشاد السفن في البحر. وقد وصفها المؤرخون بأنها بناء هندسي مذهل، يضم طبقات وغرفًا عديدة، ويُرى من مسافات بعيدة.

كما انتشرت حولها روايات وأساطير، منها وجود مرآة عجيبة في أعلاها يُمكن من خلالها رؤية السفن القادمة من مسافات بعيدة، وهو ما يعكس محاولة تفسير هذا التقدم العلمي بلغة ذلك العصر.

لم تخلُ روايات العرب من المبالغة والأساطير، خاصة فيما يتعلق ببعض المعالم مثل المنارة أو الأعمدة الضخمة، حيث نُسب بناؤها أحيانًا إلى قوى خارقة. إلا أن الدراسات الحديثة تؤكد أن هذه الروايات نشأت من الدهشة أمام مستوى حضاري لم يكن مألوفًا للعرب آنذاك.

ورغم هذه العظمة، فإن الإسكندرية لم تحتفظ بكامل مجدها طويلًا؛ إذ تعرّضت عبر القرون لزلازل وعمليات تخريب أدت إلى تدمير معظم آثارها، ولم يبقَ منها إلا القليل، مثل عمود دقلديانوس، كشاهد على تاريخ مدينة كانت يومًا من أعظم مدن العالم.

زيارة مصدر الخبر