ثقافة, جريدة الدستور 14 أبريل، 2026

يظل اسم الفيلسوف والقاضي الأندلسي ابن رشد حاضرًا بوصفه أحد أبرز المدافعين عن الفلسفة والعقلانية في مواجهة الهجوم الذي قاده الإمام والمتكلم الأشهر أبو حامد الغزالي على الفلاسفة في كتابه “تهافت الفلاسفة”.ومن قلب هذا الجدل الفكري العميق ولد أحد أهم كتب التراث الفلسفي الإسلامي: “تهافت التهافت”، الذي لم يكن مجرد ردّ، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة الاعتبار للعقل، وإثبات أن الفلسفة لا تتناقض مع الدين، بل قد تكون طريقًا لفهم أعمق له.

سياق الصراع الفكري بين العقل والنقل

جاء كتاب “تهافت التهافت” في سياق سجال فكري واسع شهدته الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، حيث انقسم المفكرون بين تيارٍ يرى أولوية النقل والنص، وتيارٍ آخر يفتح الباب أمام العقل والبرهان الفلسفي.وقد مثل الغزالي ذروة النقد للفلاسفة حين اتهم بعض آرائهم بالتناقض مع العقيدة، وهو ما أحدث صدمة فكرية كبيرة في الأوساط العلمية آنذاك، ودفع ابن رشد إلى خوض معركة فكرية دفاعًا عن الفلسفة بوصفها أداة لفهم الوجود لا تهديدًا للإيمان.

“تهافت التهافت”.. رد العقل على نقد الفلسفة

جاء كتاب “تهافت التهافت” ليكون ردًا مباشرًا على “تهافت الفلاسفة”، لكنه لم يكتفِ بالدفاع، بل أعاد تفكيك حجج الغزالي، وناقشها بمنهج منطقي يقوم على البرهان والاستدلال.وأكد ابن رشد في كتابه أن كثيرًا من الخلافات بين الفلسفة والدين هي خلافات ظاهرية، يمكن حلها عبر التأويل الصحيح للنصوص الدينية بما يتوافق مع العقل، وليس عبر رفض الفلسفة كليًا.

منهج ابن رشد: لا تعارض بين الحكمة والشريعة

انطلق ابن رشد من قناعة مركزية مفادها أن الحقيقة لا تتعدد، وأن العقل الصريح لا يمكن أن يناقض الشرع الصحيح. لذلك دعا إلى استخدام البرهان العقلي بوصفه أعلى درجات التفكير، مع التمييز بين مستويات الفهم: البرهاني، والجدلي، والخطابي.وبهذا المنهج، حاول إعادة بناء العلاقة بين الفلسفة والدين على أساس التكامل لا الصراع، مؤكدًا أن الشرع نفسه يدعو إلى التأمل والنظر في الكون.

أثر الكتاب.. من قرطبة إلى أوروبا

لم يتوقف أثر “تهافت التهافت” عند حدود العالم الإسلامي، بل امتد لاحقًا إلى أوروبا، حيث أصبحت شروح ابن رشد للفلسفة الأرسطية مرجعًا رئيسيًا لفلاسفة العصور الوسطى، وأسهمت في تشكيل تيارات عقلانية داخل الفكر الغربي.وهكذا، ظل هذا الكتاب شاهدًا على واحدة من أهم لحظات الصراع الفكري في التاريخ، حين وقف العقل ممثلًا في ابن رشد ليجادل الإيمان في أعمق صوره الفلسفية، بحثًا عن الحقيقة التي تجمع ولا تفرق.

زيارة مصدر الخبر