تشهد سوق الصرف في مصر خلال الفترة الأخيرة حالة من التحسن النسبي، مع تراجع سعر الدولار إلى ما دون مستوى 52 جنيهًا، بعد أن تجاوز في وقت سابق حاجز 55 جنيهًا، في مؤشر يعكس تغيرًا ملموسًا في توازنات العرض والطلب داخل سوق النقد الأجنبي.هذا التحسن، بحسب آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين، لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات المحلية والدولية، التي ساهمت في زيادة المعروض من النقد الأجنبي وتراجع الضغوط على العملة المحلية.ويرى الخبراء أن عودة التدفقات الأجنبية، سواء في صورة استثمارات غير مباشرة في أدوات الدين الحكومية أو استثمارات مباشرة، إلى جانب تحسن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وزيادة إيرادات السياحة والصادرات، لعبت دورًا رئيسيًا في دعم الجنيه.كما أن السياسات النقدية التي يتبناها البنك المركزي، خاصة تطبيق سعر صرف مرن واتباع سياسة نقدية متشددة نسبيًا، ساهمت في جذب الاستثمارات وتعزيز ثقة المؤسسات الدولية.في المقابل، يحذر الخبراء من أن هذا التحسن يظل هشًا نسبيًا، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وارتباط جزء من التدفقات بما يُعرف بالأموال الساخنة، التي تتسم بسرعة الحركة. ومن ثم، فإن الحفاظ على استقرار سعر الصرف يتطلب تعزيز مصادر النقد الأجنبي المستدامة، وعلى رأسها الإنتاج والتصدير، إلى جانب استمرار الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
تحسن الجنيه أمام الدولار يعكس توازنات السوق.. واستدامته مرهونة بالظروف العالمية
أكد الدكتور عبد المنعم السيد، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن التحسن الملحوظ في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، والذي تراجع من نحو 54.6 جنيه إلى أقل من 51.8 جنيه، يعكس حالة من التوازن النسبي بين العرض والطلب داخل سوق النقد، مدعومة بعدة عوامل داخلية وخارجية.وأوضح السيد في تصريحات خاصة لـ “الدستور” أن أحد أبرز أسباب هذا التحسن يتمثل في تراجع الطلب على الدولار، في ظل تباطؤ خروج ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة»، حيث خرج نحو 8 مليارات دولار فقط من إجمالي استثمارات غير مباشرة تُقدر بنحو 40 مليار دولار، وهو ما خفف من حدة الضغوط على العملة المحلية. كما ساهمت حالة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، ما انعكس إيجابًا على سوق الصرف.وأضاف أن زيادة المعروض من النقد الأجنبي لعبت دورًا مهمًا، خاصة مع دخول أكثر من 450 شركة جديدة إلى السوق المصري خلال الربع الأول من عام 2026، إلى جانب استمرار تدفقات تحويلات المصريين العاملين بالخارج. كذلك، ساهم تراجع أسعار النفط عالميًا إلى نحو 94 دولارًا للبرميل، بعد أن تجاوزت 120 دولارًا، في تقليل فاتورة الاستيراد والضغط على العملة الأجنبية.وأشار إلى أن السياسات الحكومية في ترشيد الإنفاق وتقنين استخدام الموارد، أسهمت في خفض الطلب على الدولار، بالتوازي مع دور السياسة النقدية للبنك المركزي، التي اعتمدت على أسعار فائدة مرتفعة نسبيًا جذبت استثمارات في أدوات الدين المحلية، مما دعم التدفقات الدولارية قصيرة الأجل. كما أن الالتزام بسياسة سعر صرف مرن ساعد في الحد من المضاربات وأعطى إشارات إيجابية للمؤسسات الدولية بشأن جدية الإصلاح الاقتصادي.وأكد أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في دعم الجنيه وتحقيق استقرار نسبي في سوق الصرف، إلا أن هذا الاستقرار يظل عرضة للتغير في حال حدوث صدمات خارجية، مثل تجدد التوترات الجيوسياسية أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.ونوه أن استقرار سعر الصرف يعزز ثقة المستثمرين، خاصة مع استمرار العائد الحقيقي الإيجابي، ما قد يدعم عودة تدريجية للأموال الساخنة، ولكن بوتيرة أكثر حذرًا. وتوقع أن يظل سعر الصرف مستقرًا نسبيًا على المدى القصير، مدعومًا بتحسن التدفقات الدولارية، مع بقاء المخاطر قائمة حال تغير الأوضاع الاقتصادية العالمية.
مرونة سعر الصرف وثقة المؤسسات الدولية تدعمان تراجع الدولار وجذب الاستثمارات
أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري يعكس نجاح السياسة النقدية التي ينتهجها البنك المركزي، والقائمة على تطبيق سعر صرف مرن يعتمد بالأساس على آليات العرض والطلب، ما يؤدي بطبيعته إلى تحركات صعودًا وهبوطًا في سعر العملة وفقًا لمتغيرات السوق.وأوضح شوقي في تصريحات خاصة لـ “الدستور” أن مرونة سعر الصرف تُعد العامل الرئيسي وراء التحسن الأخير، حيث ساهمت في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، ودفعهم للعودة بقوة إلى الاستثمار في أدوات الدين الحكومية، مثل أذون الخزانة والسندات، خاصة في ظل تحقيق عوائد مرتفعة، إلى جانب تحسن قيمة الجنيه، ما يزيد من فرص تحقيق مكاسب مزدوجة سواء من الفائدة أو من فروق العملة.وأضاف أن هذه العوامل أسهمت في زيادة التدفقات النقدية الأجنبية إلى السوق المصرية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع المعروض من الدولار، وبالتالي تراجع سعره أمام الجنيه خلال الفترة الأخيرة.وأشار شوقي إلى أن النظرة المستقرة للاقتصاد المصري من قبل المؤسسات الدولية لعبت دورًا مهمًا في هذا التحسن، وعلى رأسها تقارير مؤسسات التصنيف الائتماني مثل “ستاندرد آند بورز”، التي ثبتت التصنيف الائتماني لمصر مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما يعكس ثقة في قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات والتحديات الخارجية. و لفت إلى أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي واستمراره في النمو، إلى جانب زيادة تحولات المصريين العاملين بالخارج، يمثلان عاملين داعمين لاستقرار سوق الصرف، ويعززان من قوة العملة المحلية. وأكد أن هذا التراجع في سعر الدولار يفتح شهية المستثمرين الأجانب والعرب لضخ المزيد من الاستثمارات، خاصة في أدوات الدين الحكومية، بما يسهم في عودة التدفقات الأجنبية بشكل تدريجي. وأوضح أن استمرار هذه المؤشرات الإيجابية من شأنه دعم استقرار سوق النقد، بشرط الحفاظ على السياسات الاقتصادية الحالية وتعزيز مصادر النقد الأجنبي المستدامة، بما يضمن استمرار تحسن أداء الجنيه على المدى المتوسط.
مرونة سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي وراء تراجع الدولار أمام الجنيه
أكد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري إلى أقل من 52 جنيهًا، بعد أن اقترب سابقًا من مستوى 55 جنيهًا، يعكس تحسنًا نسبيًا في أداء سوق النقد، مدفوعًا بعدد من العوامل الاقتصادية المهمة، في مقدمتها تطبيق سياسة سعر الصرف المرن.وأوضح غراب في تصريحات خاصة لـ “الدستور” أن هذه السياسة أتاحت للدولار التحرك بحرية وفقًا لآليات العرض والطلب، وهو ما أسهم في استعادة قدر من التوازن داخل السوق، وساعد على جذب المستثمرين الأجانب لضخ استثمارات جديدة في أدوات الدين الحكومية، مثل أذون وسندات الخزانة، خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي عزز من التدفقات النقدية الأجنبية ودعم قوة الجنيه.وأضاف أن زيادة التدفقات الدولارية لم تقتصر على أدوات الدين فقط، بل جاءت أيضًا مدعومة بتحسن النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري من قبل المؤسسات الدولية، إلى جانب تحسن التقييمات الائتمانية، وهو ما عزز ثقة المستثمرين في السوق المصري. كما لعبت تحويلات المصريين العاملين بالخارج دورًا مهمًا، إلى جانب ارتفاع إيرادات قطاعي السياحة والصادرات، فضلًا عن نمو الاحتياطي النقدي الأجنبي.وأشار إلى أن من بين العوامل المؤثرة أيضًا تراجع الدولار عالميًا، حيث سجل انخفاضًا ملحوظًا أمام سلة من العملات الرئيسية، بالتزامن مع تراجع الطلب عليه كملاذ آمن، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء الجنيه.وتابع غراب أن انحسار حدة التوترات الجيوسياسية، خاصة في ظل الحديث عن تفاهمات بين طهران وواشنطن، قد يدعم استمرار تحسن أداء الجنيه على المدى القريب، لافتًا إلى دخول استثمارات أجنبية مباشرة جديدة للسوق المصري، عبر تأسيس عدد من الشركات خلال الفترة الماضية.وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، توقع غراب أن تتجه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعها المقبل، في ظل استمرار الضغوط التضخمية، خاصة بعد ارتفاع معدل التضخم خلال شهر مارس مقارنة بفبراير، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.وقال أن أسعار النفط والغاز قد تظل مرتفعة لفترة، حتى في حال تراجع حدة النزاعات، نظرًا لتعطل سلاسل الإمداد وتوقف الإنتاج في بعض الدول، وهو ما يمثل أحد التحديات التي قد تؤثر على استدامة تحسن سعر الصرف خلال الفترة المقبلة.
تحسن الجنيه أمام الدولار خطوة إيجابية.. والاستدامة مرهونة بقوة الاقتصاد الحقيقي
أكدت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، أن ما يشهده سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لا يمكن اختزاله في مجرد تراجع رقمي، بل يعكس تحسنًا نسبيًا في توازن سوق النقد الأجنبي، بعد انخفاضه إلى أقل من 52 جنيهًا مقارنة بمستويات تجاوزت 55 جنيهًا خلال الفترة الماضية، مدفوعًا بدخول تدفقات دولارية ملحوظة.وأوضحت الملاح في تصريحات خاصة لـ “الدستور” أن هذا التحسن يستند إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها زيادة إيرادات قطاع السياحة التي تتراوح بين 13 و14 مليار دولار سنويًا، إلى جانب تحسن تحويلات المصريين العاملين بالخارج والتي تقترب من 25 إلى 27 مليار دولار، فضلًا عن عودة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، مستفيدة من أسعار فائدة مرتفعة تجاوزت 25%، ما عزز من جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين.وأضافت أن تسريع وتيرة الإفراجات الجمركية خلال الفترة الأخيرة ساهم في تقليل الطلب المتراكم على الدولار، وهو ما انعكس إيجابيًا على استقرار سوق الصرف، مشيرة إلى أن هذه العوامل مجتمعة دعمت تحسن قيمة الجنيه في المدى القصير.وشددت الملاح على أن هذا التحسن، رغم أهميته، لا يجب التعامل معه باعتباره نهاية المطاف، بل خطوة تحتاج إلى تعميق، خاصة أن جزءًا من التدفقات الدولارية، وعلى رأسها «الأموال الساخنة»، يتسم بطبيعته بالتقلب وسرعة الخروج، ما يجعل الاستقرار الحقيقي مرهونًا بقدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة.وتوقعت أن يتحرك سعر الصرف خلال الفترة المقبلة في نطاق مستقر نسبيًا بين 50 و53 جنيهًا للدولار، وهو نطاق يعكس حالة من التوازن في ظل الظروف الحالية، خاصة إذا استمرت التدفقات الدولارية وتحسنت مؤشرات الإنتاج والتصدير.وأكدت أن استقرار سعر الصرف يمثل مكسبًا مهمًا للاقتصاد المصري، لما له من دور في تخفيف الضغوط التضخمية، وتعزيز ثقة المستثمرين، ودعم قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي بكفاءة أعلى.وأضافت أن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب الاستمرار في دعم الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات التي لا تزال تدور بين 40 و45 مليار دولار، إلى جانب العمل على تقليص الفجوة الاستيرادية التي تتجاوز 70 مليار دولار، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التحسن إلى استقرار دائم قائم على قوة الاقتصاد الحقيقي، وليس فقط على تدفقات مؤقتة.
هدوء الدولار نتيجة تراجع التوترات وزيادة التدفقات الأجنبية.. والتثبيت الأقرب للفائدة
أكدت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، أن الهدوء النسبي الذي يشهده سوق الصرف وتراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري إلى أقل من 52 جنيهًا، يرجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تراجع حدة التوترات الجيوسياسية خلال الفترة الأخيرة.وأوضحت الدماطي في تصريحات خاصة لـ “الدستور” أن الحديث عن هدنة مؤقتة وتراجع حدة التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، إلى جانب استئناف مسارات التفاوض بين طهران وواشنطن، انعكس بشكل إيجابي على الأسواق العالمية، حيث ساهم في خفض أسعار النفط والطاقة، وهو ما خفف بدوره من الضغوط على الدولار عالميًا، وامتد أثره إلى السوق المحلية.وأضافت أن العامل الثاني يتمثل في عودة الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية، خاصة أذون الخزانة، مدفوعة بمستويات الفائدة المرتفعة، وهو ما أدى إلى زيادة التدفقات الدولارية قصيرة الأجل. كما ساهمت زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج في تعزيز المعروض من النقد الأجنبي داخل السوق.وأشارت إلى أن ارتفاع المعروض من الدولار، في ظل تطبيق سياسة سعر الصرف المرن التي تعتمد على آليات العرض والطلب، كان له دور رئيسي في تراجع سعر الدولار أمام الجنيه خلال الفترة الأخيرة، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في توازن سوق النقد.وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، لفتت الدماطي إلى أن التوقعات الصادرة عن المؤسسات الدولية تشير إلى استمرار حالة الضبابية في المشهد الاقتصادي العالمي، في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وهو ما يدعم الاتجاه نحو الإبقاء على سياسة نقدية متشددة.وتوقعت أن تتجه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، في ضوء هذه المعطيات، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية العالمية، والحاجة إلى الحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية واستمرار التدفقات الأجنبية.واختتمت بأن استدامة استقرار سوق الصرف تظل مرهونة باستمرار التدفقات الدولارية، إلى جانب استقرار الأوضاع الجيوسياسية العالمية، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على هذا التحسن خلال الفترة المقبلة.