ثقافة, جريدة الدستور 20 أبريل، 2026

لم يكن الفنان المصري القديم مجرد “نحات”، بل كان كيميائيًا ومهندسًا وفيلسوفًا، تجلى ذلك بوضوح في تفاصيل “التابوت الأخضر”، الذي أبهر العالم ليس فقط بضخامة حجمه الذي يصل إلى نحو ثلاثة أمتار، بل بقصة عودته الملحمية إلى أرض الوطن، ليكون شاهدًا حيًا على عبقرية المصري القديم.ووفقًا للمتحف المصري بالقاهرة، فإن التابوت الأخضر، وهو غطاء تابوت الكاهن “عنخ ماعت”، وهي قطعة فريدة من الآثار المصرية القديمة، وهو ليس مجرد أثر خشبي ضخم يعود إلى العصور المتأخرة، بل تحول إلى أيقونة وطنية تروي قصة نجاح باهرة للدبلوماسية والقانون في استعادة الهوية المصرية.وتعود حكاية التابوت الأخضر، إلى أنه بعد تعرضه للتهريب القسري خارج البلاد عام 2008، نجحت الدولة في استرداده عام 2022 ليعود إلى موطنه الأصلي كشاهد على عظمة التراث المصري وقوة الإرادة في الحفاظ عليه.

استردته مصر بعد تهريبه.. ما سر لغز “التابوت الأخضر”؟
استردته مصر بعد تهريبه للخارج.. ما سر لغز “التابوت الأخضر”؟

اللون الأخضر رمز البعث والنماء

لم يكن اختيار اللون الأخضر عشوائيًا؛ فالأخضر في العقيدة المصرية القديمة هو رمز البعث، النماء، وأوزيريس، لقد أراد الفنان أن يمنح المتوفى “جسدًا” لا يفنى، مصبوغًا بلون الحياة الأبدية.

img
​ويظهر وجه الكاهن باللون الأخضر الزاهي محاكاةً للون النبات والإنبات، وهو ما يرمز في الفلسفة الجنائزية المصرية القديمة إلى تجدد الحياة وقدرة الروح على البعث من جديد مثلما تكتسي أرض النيل بالخضرة بعد كل فيضان،  ويكتمل هذا المشهد الرمزي بكساء باقي الجسد باللون الأسود القاتم، وهو اللون الذي يربط المتوفى بالإله “أوزير” رب العالم الآخر، ويرمز في الوقت ذاته لخصوبة التربة المصرية ومصدر الحياة المتجددة، مما يجعل من التابوت بأكمله لوحة تعبيرية تجسد الأمل في حياة أبدية لا تنتهي.

img

السمك في مصر القديمة.. البساريا والبوري بين الغذاء والفن

img

الإله “بس”.. حكاية مثيرة لـ إله المرح والأطفال في مصر القديمة

img
​ولم تقف براعة فنان العصر المتأخر عند حدود الألوان، بل امتدت لتشمل أدق التفاصيل العقائدية عبر خمسة أسطر رأسية تزدان بها واجهة التابوت، كُتبت بالخط الهيروغليفي ونُفذت باللون الذهبي اللامع. تحمل هذه الأسطر تعاويذ مختارة من “كتاب الموتى” صُممت خصيصًا لتكون دليلًا وحمايةً لروح الكاهن في رحلته نحو العالم الآخر، ومع العيون المطعمة التي تمنح الغطاء نظرة حية مهيبة، واكتشف هذا الأثر في منطقة “أبو صير” ويعبر عن جمال الطقوس الجنائزية الفخمة التي ميزت تلك الحقبة التاريخية.

زيارة مصدر الخبر