جريدة الدستور, مقالات 21 أبريل، 2026

شهدت الأيام الماضية وقوع عدد من حالات الانتحار ولا سيما بين الشباب والفتيات، إذ يظهر كثير من الأشخاص أثناء بث مباشر أو من خلال نشر مقاطع فيديو يعكسون شعورهم باليأس والضغط النفسي، ما يفاقم تأثيرهم على الآخرين ويزيد احتمالية تقليد السلوكيات الانتحارية.مع تزايد انتشار هذه الوقائع على منصات التواصل الاجتماعي، أكدت وزارة الصحة والسكان، على أن وضع دعم المواطنين نفسيًا في صدارة أولويات الدولة المصرية، مؤكدة على ضرورة التواصل من خلال الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، للكشف المبكر والتدخل السريع للحالات التي تعاني من ضغوط نفسية حادة أو أفكار إيذاء النفس. وتستدعى قضية الانتحار اهتمامًا عاجلًا من المختصين لمتابعة الأفراد المعرضين للخطر، تواصل “الدستور” مع أساتذة ومختصين في الطب النفسي لتقديم روشتة التعامل مع الحزن العميق والاكتئاب العميق الذي يؤدي إلى الانتحار وذلك إيمانًا بمدى خطورة هذه القضية على الأسرة والمجتمع.  محمود الحبيبي: الانتحار ليس حلًا بل هو قرار نهائي لا رجعة فيه الدكتور محمود الحبيبي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، أكد أن الانتحار ليس مجرد تصرف طائش أو لحظي، بل غالبًا ما يرتبط بصراعات داخلية عميقة، سواء كانت ناتجة عن صدمات مفاجئة أو اضطرابات مزمنة في الصحة النفسية. وفند الحبيبي الانتحار بأنه نوعين رئيسيين؛ النوع الأول هو الانتحار الاندفاعي الذي يحدث نتيجة صدمات أو تهديدات قوية وعاطفية، مثل الخلافات الأسرية الحادة أو العلاقات العاطفية المضطربة هذا النوع يصعب التنبؤ به لأنه يحدث بشكل مفاجئ، لكنه يسهل التعامل معه إذا تم التدخل السريع عند ظهور أي علامة تحذيرية، ويؤكد المتخصصون أن أي رسالة تهديد بالانتحار يجب أن تؤخذ بجدية تامة، إذ أن الاستجابة الفورية قد تنقذ حياة الشخص. أما النوع الثاني فهو الانتحار المخطط، والذي يرتبط غالبًا بالاكتئاب الشديد واضطرابات المزاج المستمرة هذا النوع أسهل نسبيًا في التنبؤ به، لأنه يظهر من خلال سلوكيات وأفكار واضحة مثل الحديث المستمر عن الموت، التفكير السوداوي في المستقبل، الشعور بعدم جدوى الذات، الانعزال، طلب السماح من الآخرين، أو اتخاذ قرارات غير عادية مثل بيع الممتلكات الشخصية، وغالبًا ما يحتاج هذا النوع من الحالات إلى تدخل دوائي علاجي إلى جانب جلسات علاج نفسي منظمة، بهدف معالجة الأفكار السوداء والسيطرة على الشعور باليأس. وعن أعراض الاكتئاب يوضح “الحبيبي” أن الاكتئاب الذي يؤدي إلى التفكير في الانتحار يظهر عادة من خلال فقدان الطاقة والدافعية للقيام بالأنشطة اليومية، ويجعل الشخص يبدو حزينًا في تعامله مع الآخرين، كما يصاحبه شعور دائم بالذنب، والإحساس بعدم جدوى المستقبل، والشعور بأنه قد يكون سبب ضرر للآخرين، هذا الشعور العميق باليأس يدفع البعض إلى التفكير في الانتحار كحل نهائي لمشكلاتهم، وغالبًا ما يسبق ذلك محاولات سابقة أو علامات تحذيرية مثل الحديث عن الموت أو إعداد وصايا ورسائل وداع. ويؤكد أستاذ الطب النفسي، أهمية التدخل المبكر لعلاج الاكتئاب، إذ أن استمرار الحالة النفسية السيئة لأكثر من أسبوعين يستوجب تقييمًا طبيًا عاجلًا، وأصبح هناك وسائل عديدة للإنقاذ فإن وزارة الصحة المصرية توفر خطًا ساخنًا للتدخل السري والطارئ، ويمكن الاستعانة به بشكل آمن وسري تمامًا، فضلا عن زيارة طبيب نفسي أو طبيب مخ وأعصاب أو استشاري أسري، حيث تتوفر استراتيجيات علاجية متنوعة تتناسب مع شدة الحالة، سواء كانت بسيطة، متوسطة، أو شديدة، مع التأكيد على أن العلاج الدوائي والجلسات النفسية أثبتت فعاليتها في منع تفاقم الأفكار الانتحارية. وحذر أستاذ الطب النفسي أن الانتحار هو قرار نهائي لا رجعة فيه، بينما توجد دائمًا حلول عملية للحياة يمكن أن تمنع الوصول إلى هذه المرحلة، مثل البحث عن الدعم الطبي المناسب، التواصل مع العائلة والأصدقاء، الانخراط في أنشطة جديدة وتجارب حياتية إيجابية، واستثمار الوقت في البحث عن الحلول الواقعية لمشكلات الحياة اليومية، مشيرا إلى أهمية التوعية بهذه الظاهرة، والاهتمام بالمظاهر النفسية المصاحبة للاكتئاب، يمكن أن تكون أدوات حاسمة في الحد من معدلات الانتحار وحماية الأرواح.

ما الذي قد يترتب على الإصابة بالإكتئاب؟.. أطباء نفسيون يوضحون
الدكتور محمود الحبيبيعلي شوشان: التراكمات فخ.. وضرورة العودة إلى المرشد النفسي في المؤسسات حذر الدكتور علي شوشان، أخصائي العلاج النفسي، من خطورة تجاهل المشاكل النفسية وعدم التعامل معها في وقت مبكر، إذ أن العوامل النفسية التي لا يتم علاجها تتراكم مع مرور الوقت وتتفاعل مع مواقف وأحداث مختلفة، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل والدخول في صراعات جديدة، وقد يدفع بعض الأفراد إلى التفكير في الهروب من الواقع عبر الانتحار، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد أزمة فردية، بل تؤثر على كل من حول الشخص، بما في ذلك الأسرة والمجتمع، حيث يترك الانتحار أثرًا نفسيًا عميقًا على المقربين. ومن العلامات التي قد تسبق أن الشخص يعاني نفسيا وقد يؤذي نفسه، يؤكد شوشان أن الحزن شعور طبيعي يمر به الإنسان نتيجة مواقف الحياة المختلفة، إلا أن الاكتئاب يمثل حالة أكثر خطورة، فقد يؤدي إلى اضطرابات شديدة في السلوكيات اليومية، بعض المصابين بالاكتئاب يفقدون القدرة على أداء أعمالهم بشكل طبيعي، بينما قد يبالغ البعض الآخر في العمل بشكل مفرط، كذلك يظهر تأثير الاكتئاب على عادات الأكل والنوم، حيث قد يمتنع البعض عن الطعام تمامًا أو يتناول كميات كبيرة، كما يمكن أن ينام البعض لفترات طويلة أو يعاني من قلة النوم، وهذه كلها علامات تدل على حالة نفسية خطيرة تحتاج إلى متابعة وعلاج. ويشير شوشان إلى أن هناك علامات تحذيرية واضحة قبل حدوث الانتحار، منها الانعزال عن الأهل والأصدقاء، تغيير العادات اليومية والمواعيد المعتادة للنوم، إرسال رسائل وداع، أو ترك رسائل مكتوبة أو تسجيلات فيديو تشير إلى التفكير في الموت، وفي مثل هذه الحالات، يجب التدخل الفوري عبر الاتصال بالشرطة أو الجهات المختصة لمنع حدوث أي كارثة. واقترح أخصائي العلاج النفسي، ضرورة وجود أخصائي نفسي أو مرشد نفسي في كل مؤسسة، سواء كانت تعليمية أو عملية، ليتمكن الأفراد من التحدث عن مشكلاتهم النفسية قبل تفاقمها، كما بادر شوشان بنفسه أنه أنشأ خطًا ساخنًا لتلقي الحالات النفسية الطارئة والتعامل معها مباشرة مع ضمان السرية التامة، مؤكدًا أن هذا النوع من الدعم الفوري يمكن أن ينقذ الأرواح ويقلل من تفاقم المشاكل النفسية قبل أن تتحول إلى أزمات خطيرة. ويختتم بالتأكيد على أن التعامل المبكر مع المشكلات النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة اجتماعية وصحية، فكل حالة مهملة قد تتحول إلى مأساة، وكل تدخل مبكر قد ينقذ حياة فرد ويخفف الأثر النفسي على المجتمع بأسره.
img
الدكتور علي شوشانفرويز:  الأمراض النفسية لا تفرق بين غني وفقير أكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الأمراض النفسية لا تفرق بين غني وفقير، إذ أن المجتمع المصري يعيش حالة من “الانكشاف النفسي” على نطاق واسع تتمثل في الضغوط اليومية ومتطلبات الحياة المعقدة، وتأثير منصات التواصل الاجتماعي التي تضغط على الأفراد نفسيًا وعاطفيًا، والتي تؤثر على جميع الفئات دون استثناء، وأن التعامل معها بوعي وفهم هو السبيل الوحيد للحد من آثارها الخطيرة. وأوضح فرويز أن الاكتئاب الحاد ليس دليل ضعف في الإيمان أو الشخصية، بل هو اضطراب حقيقي ينشأ نتيجة خلل كيميائي في المخ، ويتطلب علاجًا طبيًا مماثلًا لما يحتاجه مريض السكر أو مريض الضغط، ولا يمكن إنكار الاكتئاب أو الاستخفاف به، مشيرًا إلى مدى خطورة تجاهل المرض النفسي وقد يدفع البعض إلى التفكير في إنهاء حياتهم هربا من الألم النفسي الذي يشعرون به. وأشار فرويز إلى أن أحد أهم أساليب الوقاية يبدأ بثقافة الحوار والفضفضة، حيث يجب على المحيطين بالشخص المصاب بالاكتئاب أن يكونوا أكثر وعيًا بالتغيرات السلوكية التي تظهر عليه والاستماع للشخص المضغوط النفسي بجدية وتقديم الدعم النفسي والاحتواء، هو أكثر فاعلية بكثير من الاكتفاء بتقديم نصائح سطحية لا تعالج جوهر المشكلة.
img
الدكتور جمال فرويزمنظمة الصحة العالمية: أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية  تفيد بيانات صدرت عن منظمة الصحة العالمية بوجود أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية مثل حالات القلق والاكتئاب التي تسبب خسائر بشرية واقتصادية هائلة، فإنه يلزم توظيف المزيد من الاستثمارات وإنجاز الكثير من الأعمال على الصعيد العالمي لتوسيع نطاق الخدمات اللازمة لحماية صحة الناس النفسية وتعزيزها. ويظل الانتحار واحدًا من الحصائل المدمرة بعد أن حصد في عام 2021 أرواح 000 727 شخص، وهو سبب رئيسي للوفاة بين الشباب في كل البلدان والسياقات الاجتماعية والاقتصادية، ورغم الجهود العالمية المبذولة في هذا الصدد فإن التقدم المُحرز في الحد من الوفيات الناجمة عن الانتحار ضئيل جدًا ولا يكفي لتحقيق هدف التنمية المستدامة الصادر عن الأمم المتحدة بشأن تخفيض حالات الانتحار بمقدار الثلث بحلول عام 2030 ولن تُخفض هذه الحالات بحلول ذلك الموعد النهائي سوى بنسبة 12٪ بناءً على المسار المختط حاليًا.

زيارة مصدر الخبر