بوابة الشروق, ثقافة 28 أبريل، 2026

• مطالبات لدور النشر اتخاذ إجراءات رادعة وقانونية لمواجهة ظاهرة استخدامه في الكتابة

نشرت مجلة «ذا سبيكتاتور» البريطانية – المعنية بالشؤون السياسية والثقافية – تقريرًا مفصلًا عن تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتابة الأدبية، وما يثيره ذلك من مخاوف داخل الوسط الثقافي حول تراجع قيمة الإبداع البشري وتزايد النصوص المُولّدة آليًا في سوق النشر. وفي هذا السياق، شن الصحفي إيوان مارك جونز كاتب المقال هجومًا واضحًا على هذا التوجه، معتبرًا أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الكتابة يفرغ الأدب من جوهره الإنساني ويهدد أصالته ومعناه.
في البداية، قال “جونز” إن الكتابة المنتجة بالذكاء الاصطناعي رديئة على نحو لافت؛ إذ توحي بالذكاء عند النظرة الأولى، لكنها تبدو فارغة عند التدقيق، وتتسم بالركاكة على نحو مزعج، وتكاد تخلو من حس الفكاهة أو أي قدر من الأصالة، غير أن عيبها الجوهري يكمن في غياب الهشاشة الإنسانية؛ فالكاتب إنسان، والإنسان بطبيعته كيان مضطرب، والقراء – بوصفهم بشرًا كذلك – يتماهَون مع هذا الاضطراب.
وعلى الرغم من هذه العيوب، تنتشر الكتابة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة؛ ومع تزايد المحتوى المُنتج بشكل كبير، اضطر بعض الوكلاء الأدبيين ودور النشر إلى وضع تنبيهات صريحة يطالبون فيها بعدم إرسال نصوص مكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما حذت المجلات الأدبية حذوهم. وفي المقابل، واجهت منصة «أمازون» صعوبات في الحد من تدفق الكتب المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي.
وأفاد “جونز” بأن هناك العديد من المؤلفين لاحظوا أنه ما أن تصل أعمالهم إلى الأسواق حتى تظهر نسخ مقلَّدة رديئة لأعمالهم، وتشكل هذه الكتب الزائفة ضررًا حقيقيًا؛ إذ قد يعزف بعض القراء غير المطلعين عن متابعة أعمال الكُتّاب الأصليين، بينما تؤدي على نطاق أوسع إلى تراجع ثقة المستهلكين وإضعاف الإقبال العام -المتراجع أصلًا – على الأدب.

استخدام واسع للذكاء الاصطناعي بين الكُتّاب مع ندرة الاعتراف به

وقال “جونز” إن معظم قرّاء الرواية يفضلون رؤية ذلك “الاضطراب” الإنساني في النصوص المكتوبة بأيدٍ بشرية، وقد صرّح الكاتب الأمريكي الفائز بجائزة «البوكر» جورج سوندرز مؤخرًا بأنه لا يجد أي جاذبية في الكتابة الآلية، تحديدًا لافتقارها إلى الخبرة الإنسانية، وحتى الكاتب البريطاني المُدافع عن الذكاء الاصطناعي ريتشارد ساسكيند، مؤلف كتاب «كيف نفكر في الذكاء الاصطناعي»، يرفض جاذبية استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات الإبداعية مثل كتابة الروايات، مؤكدًا أن جزءًا جوهريًا من قراءة الأدب هو إدراك وجود إنسان آخر خلف النص.
ومع ذلك، بات الفارق بين الكتابة البشرية وتلك المنتَجة بالذكاء الاصطناعي أكثر ضبابية؛ ففي الشهر الماضي، أوقفت دار نشر كبرى إصدار إحدى الروايات الموجهة للمراهقين والشباب بعد اكتشاف تضمّنها نصوصًا مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، دون علم الناشر – ولا حتى المؤلف – قبل النشر، وبيّن “جونز” أن الكثير من الكُتّاب في الآونة الأخيرة لجأوا لاستخدام هذه التقنية دون الإفصاح عنها أو الاعتراف بذلك، ولم يُكشف سوى عدد محدود منهم، بالرغم من أن جمهور القرّاء في حقيقة الأمر يتوق إلى الطابع الإنساني.

خطوات محدودة من قطاع النشر

وأشار “جونز” إلى أن صناعة النشر اتخذت خطوات أولية لمواجهة هذا التسلل؛ إذ وضعت دار «فابر» العام الماضي ملصقات تحمل عبارة “كُتب بواسطة إنسان” على رواية «هيلم» للكاتبة البريطانية سارة هول، وهو عمل ملحمي استغرق إنجازه عقودًا من الزمن، وكانت أعمالها، كغيرها من أعمال العديد من الكُتّاب، قد استُخدمت دون إذن أو مقابل لتدريب نماذج لغوية كبرى.
كما أطلقت منظمة “كتب من أجل الناس” – وهي مبادرة داخل قطاع النشر تهدف إلى دعم وتمييز الأعمال الأدبية المكتوبة بشريًا ومواجهة توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص الأدبية – بالتعاون مع عدة دور نشر، شهادة بعنوان “الأدب العضوي” تُمنح للأعمال المكتوبة بشريًا للتأكيد على خلوّها من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فيما دشّنت جمعية المؤلفين شعارًا يميّز الكتب المكتوبة على يد بشر من تلك المكتوبة بالذكاء الاصطناعي ، بدعم من الباحثة البريطانية الكلاسيكية ماري بيرد التي أكدت أنها لن تختار إلا كتبًا بشرية التأليف.
غير أن هذه العلامات، رغم أهميتها النظرية، تظل محدودة عمليًا؛ فالإشكال الأساسي – وفقًا لجونز – يكمن في غياب تعريف واضح لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ فالبعض يرى أن الدعم التحريري باستخدامه مقبول، لكن الحدود تظل غير واضحة؛ فهل يمكن للآلة مثلًا اقتراح نهايات بديلة؟ أو إعادة صياغة فقرات؟ أو تعديل جملة افتتاحية؟ هذه التدخلات تبدو للبعض غير إنسانية، بينما يراها آخرون مقبولة.

إشكالية التعريف والمصداقية

وأوضح “جونز” أن العمل البشري هو ما ينشأ ويُكتب بالكامل بواسطة أحد المؤلفين، مع السماح باستخدام محدود للذكاء الاصطناعي في التدقيق الإملائي أو التنسيق، دون المساس بالمحتوى، وذلك وفق تعريف منظمة “كتب من أجل الناس”، غير أن هذا التعريف يطرح تساؤلات حول معنى المحتوى ذي الدلالة، وهو مفهوم يختلف تفسيره من شخص لآخر.
كما تعتمد هذه الشهادات أساسًا على الثقة المتبادلة بين القارئ والناشر والمؤلف، دون آليات تحقق صارمة، ويعني ذلك أن بإمكان البعض التحايل بسهولة، عبر الادعاء بأن العمل بشري، بينما يكون في الحقيقة جزئيًا أو كليًا من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

دعوات لحلول أكثر صرامة

ونوّه “جونز” إلى أن الكثير من الخبراء في صناعة النشر ، ومن بينهم الأكاديمية الأمريكية إميلي إم بندر والباحثة الأمريكية أليكس هانا صاحبة كتاب «خدعة الذكاء الاصطناعي»، رأوا ضرورة فرض علامات مائية رقمية على المحتوى منذ إنتاجه، أو استخدام بيانات وصفية خفية لتتبع مصدره، غير أن الانتشار الواسع للنماذج اللغوية يجعل تطبيق هذه الحلول بشكل شامل أمرًا صعبًا، خاصة مع قدرة المستخدمين على التحايل عليها.

مسؤولية دور النشر

وقال “جونز” إن الأمر في النهاية يؤول إلى دور النشر من أجل اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، من بينها إدراج بنود تعاقدية تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق في توليد أو تحرير أو إعادة كتابة النصوص، بما توفر ضمانات قانونية للمستهلكين، كما يمكن اللجوء إلى التقاضي لردع المخالفين.
ورغم أن هذا النهج قد يبدو متشددًا، فإن الكُتّاب أنفسهم قد لا يعارضونه، خاصة بعد احتجاج نحو ١٠ آلاف منهم ضد الذكاء الاصطناعي خلال معرض لندن للكتاب في مارس الماضي. وفي حال رفض بعضهم هذه الشروط، ينبغي الإشارة بوضوح إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمالهم.

الشفافية كضرورة

وتعكس هذه الدعوات حاجة أوسع إلى الشفافية، في ظل تزايد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع في مجالات متعددة، من الصور الدعائية إلى المقاطع المزيفة، مرورًا بالمؤثرين الرقميين والأعمال الفنية. وفي هذا السياق، يصبح تصنيف الأعمال الأدبية ضرورة، لا مجرد خيار؛ إذ يتيح للقراء اتخاذ قرارات واعية وفق تفضيلاتهم، ويحافظ على مساحة للأدب الإنساني بكل ما يحمله من هشاشة وتعقيد.

زيارة مصدر الخبر