بوابة الشروق, ثقافة 10 مايو، 2026

حلّ الشاعر والروائي الأردني جلال برجس، ضيفًا على بودكاست «منبر الحرف»، في لقاء مطول تناول فيه كواليس كتابة روايته «معزوفة اليوم السابع»، الصادرة عن دار الشروق، والأسئلة الفكرية والوجودية التي تقف خلف الرواية، بجانب حديث أوسع عن علاقة الرواية بالحياة والإنسان والواقع العربي.
واستهل مقدم الحلقة، الإعلامي محمد بن عبد الله جمعه، اللقاء باستحضار مقولة الفيلسوف الوجودي ألبير كامو: «الرواية ليست إلا وسيلة لعيش حياة أخرى»، معتبرًا أن الأدب يمنح الإنسان القدرة على اختبار حيوات متعددة ومواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمصير والوجود، وهو ما تحاول رواية «معزوفة اليوم السابع» الاقتراب منه عبر عالم روائي شديد الخصوصية.
وأشار جمعه، خلال الحلقة، إلى أن تجربة جلال برجس تنحاز دائمًا للإنسان وقضاياه، وتحمل في جوهرها قلقًا وجوديًا واضحًا، وهو ما جعل أعماله تتجاوز حدود المكان لتلامس أسئلة إنسانية مشتركة، مضيفًا أن الرواية حظيت باهتمام واسع بين القرّاء والنقاد منذ صدورها، لما تحمله من بناء رمزي وفلسفي يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل.
وأوضح جلال برجس، خلال الحوار، أن الفكرة الروائية لا تولد بشكل مفاجئ أو من مشهد عابر فقط، وإنما تأتي نتيجة تراكم طويل من المشاهدات والتجارب والتأملات، مشيرًا إلى أن الكاتب قد يشعر، في لحظة معينة، بأنه التقط «الخيط الأول» الذي يقوده نحو الرواية، لكن هذا الخيط يكون في الحقيقة امتدادًا لتراكمات داخلية وإنسانية سابقة.
وقال إن رواية «معزوفة اليوم السابع» تشكلت عبر سنوات من التفكير والتأمل ومراقبة البشر والحياة، موضحًا أن أحد المفاتيح الأساسية التي قادته إلى الرواية كان شابًا غجريًا تعرّف إليه في مدينة مادبا الأردنية، كان يعمل في كنس الشوارع بطريقة لفتت انتباهه بشدة.
وأضاف أن هذا الشاب لم يكن مجرد عامل نظافة عادي، بل كان يحمل حضورًا مختلفًا وطريقة خاصة في الحركة والتعامل مع العالم، وهو ما دفعه للتوقف أمام شخصيته طويلًا، موضحًا أن هذا اللقاء الإنساني تحوّل لاحقًا إلى البوابة الأولى للدخول إلى عالم الرواية والاشتغال على فكرتها الأساسية.
وأشار إلى أن شخصية الشاب، الذي يحمل اسم «زياد» في الواقع، تحولت داخل الرواية إلى شخصية محورية تقود جزءًا كبيرًا من الأحداث، وتسهم في نقل القارئ تدريجيًا نحو الفكرة المركزية للعمل، موضحًا أن الشخصيات الحقيقية أحيانًا تمنح الكاتب شرارة البدء، لكنها بعد ذلك تعيش تحولات سردية تجعلها جزءًا من عالم متخيّل أوسع.
وتحدث الروائي الأردني، عن العالم الذي تبنيه «معزوفة اليوم السابع»، موضحًا أن الرواية تدور في مدينة تتكون من سبعة أحياء، يصيب سكانها وباء غريب يجعلهم غير قادرين على رؤية أنفسهم في المرايا، في الوقت الذي يقعون فيه تدريجيًا في غرام الموت، وهو ما يمثل مفارقة تتناقض مع الغريزة الإنسانية الطبيعية المرتبطة بالتشبث بالحياة.
وأوضح أن هذا التصور لم يكن هدفه خلق حالة غرائبية فقط، وإنما محاولة لطرح أسئلة أعمق تتعلق بعلاقة الإنسان بذاته وبصورته وبالحياة والموت، مشيرًا إلى أن الرواية تحاول الاقتراب من التحولات النفسية والروحية التي يمكن أن تصيب المجتمعات في لحظات القلق والانهيار.
وأكد أن الرواية، بالنسبة له، لا تقدم «رسائل مباشرة» أو إجابات جاهزة، وإنما تطرح ما سماه «المقولة الرئيسية» التي يسعى الكاتب إلى إيصالها عبر العمل، موضحًا أنه لا يفضل استخدام تعبير «رسالة الرواية»، لأن الأدب، في رأيه، أكثر تعقيدًا وثراءً من أن يتحول إلى خطاب مباشر.
وأضاف أن الكاتب من خلال الرواية، يحاول أن يقول شيئًا عن العالم وعن الإنسان، لكن عبر الفن والتخييل والأسئلة المفتوحة، وليس عبر الوعظ أو التلقين، لافتًا إلى أن القارئ يظل شريكًا أساسيًا في التقاط المعنى وتأويله وفق تجربته الخاصة.
ويُعد جلال برجس من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ تُوِّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن روايته «دفاتر الوراق»، كما وصلت سيرته الروائية «نشيج الدودوك» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب حضور أعماله في قوائم الجوائز الكبرى، مثل «سيدات الحواس الخمس» و«معزوفة اليوم السابع».
فيما حصد برجس جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته «أفاعي النار»، وجائزة رفقة دودين للإبداع السردي عن «مقصلة الحالم»، فضلًا عن جائزة روكس بن زائد العزيزي عن مجموعته القصصية «الزلزال».
وتُرجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والهندية والإيطالية والفارسية، ما يعكس حضورًا متناميًا لتجربته على الصعيد العالمي.
وتتنوع تجربة برجس بين الشعر، عبر دواوينه «كأي غصن على شجر»، و«قمر بلا منازل»، و«كجرح في نحر أبيض»، وأدب المكان في «شبابيك مادبا تحرس القدس» و«رذاذ على زجاج الذاكرة»، إضافة إلى كتاباته النقدية في «حمى القراءة… دوار الكتابة»، إلى جانب منجزه الروائي والقصصي.

زيارة مصدر الخبر