تحل اليوم ذكرى ميلاد الرسام والنحات الفرنسي إدجار ديجا، المولود في 19 يوليو 1834، والذي يُعد أحد أبرز رواد المدرسة الانطباعية، رغم احتفاظه بأسلوب فني مستقل جعله مختلفًا عن معاصريه. فقد كرّس حياته لتصوير الإنسان في لحظاته العادية، محولًا تفاصيل الحياة اليومية إلى أعمال أصبحت من أشهر لوحات الفن العالمي.
رسام ما وراء الكواليس
لم يكن ديغا مفتونًا بالمشاهد الاحتفالية بقدر اهتمامه بما يحدث خلف الستار، فبدلًا من رسم راقصات الباليه على خشبة المسرح، اختار أن يصور تدريباتهن واستعداداتهن ولحظات الإرهاق والانتظار داخل أروقة أوبرا باريس.
وكان يردد مقولته الشهيرة: “لا يرسم الفنان ما يراه، بل ما ينبغي للآخرين أن يروه”، وهي الفلسفة التي انعكست في معظم أعماله.
“درس الباليه”.. أشهر أعماله
تظل لوحة “درس الباليه” من أشهر أعمال ديغا، إذ تصور معلم الباليه العجوز متكئًا على عصاه بينما تحيط به الراقصات الشابات أثناء التدريب، في مشهد يخلو من المبالغة ويعتمد على البساطة والدقة في تصوير الحركة والتفاصيل اليومية.
وعندما سُئل عن سبب اهتمامه المتكرر براقصات الباليه، أجاب: “يطلقون عليّ رسام الراقصات، لكنهم لا يفهمون أن الراقصين كانوا مجرد ذريعة لرسم الأقمشة الجميلة ونقل الحركة.”
من التاريخ إلى الحياة اليومية
ولد ديغا في أسرة فرنسية ميسورة، والتحق عام 1855 بمدرسة الفنون الجميلة في باريس، ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أعمال كبار فناني عصر النهضة.
وبدأ مسيرته برسم الموضوعات التاريخية والبورتريهات، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى تصوير الحياة اليومية، فاهتم بالمقاهي والمسارح والسباقات والشوارع، ورسم النساء أثناء العمل أكثر من اهتمامه بالمشاهد الرسمية.
وجوه العمال بدلًا من الأبطال
ومن أشهر الموضوعات التي تناولها عاملات غسيل الملابس، بعدما لفت انتباهه الجهد البدني الكبير الذي يبذلنه في الكي والغسيل. فكان يتردد على المغاسل ليرسم ملامح الإرهاق والانحناءات الطبيعية للجسد أثناء العمل، مقدمًا صورًا واقعية بعيدة عن المثالية السائدة في الفن الأكاديمي.
العزلة في قلب المدينة
كما قدم ديغا واحدة من أشهر لوحاته الاجتماعية، وهي “شاربو الأفسنتين” (L’Absinthe)، التي تصور رجلًا وامرأة يجلسان إلى جوار بعضهما في أحد مقاهي باريس، لكن كلاً منهما يبدو غارقًا في عزلته ووحدته، لتصبح اللوحة تعبيرًا عن الاغتراب داخل المدينة الحديثة، كما ارتبطت بانتقادات انتشار إدمان مشروب الأفسنتين في فرنسا خلال القرن التاسع عشر.