تكشف الباحثة وأستاذة دراسات شكسبير بكلية هيرتفورد في جامعة أكسفورد، إيما سميث، في كتابها “سحر محمول”، أن الصورة الحديثة للكريسماس لم تتشكل بفضل رواية “ترنيمة عيد الميلاد” لتشارلز ديكنز وحدها، كما هو شائع، بل إن الفضل يعود بدرجة كبيرة إلى نوع من الكتب الألمانية المزخرفة التي انتشرت في بريطانيا قبل صدور رواية ديكنز بنحو عقدين.وتوضح سميث أن كثيرًا من تقاليد الكريسماس التي ارتبطت ببريطانيا في القرن التاسع عشر كانت ذات أصول ألمانية، من بينها تزيين شجرة الميلاد، وتبادل بطاقات التهنئة، وكذلك تقديم الكتب بوصفها هدايا في موسم الأعياد، وهي عادة أسهمت في ترسيخ الطابع الاجتماعي والاحتفالي للكريسماس.
«لا تنسني».. كتاب أطلق موضة هدايا الأعياد
وتشير الباحثة إلى أن الناشر الإنجليزي الألماني رودولف آكرمان، أحد رواد النشر الفاخر والطباعة الحجرية، ابتكر عام 1822 إصدارًا جديدًا حمل عنوان «لا تنسني» (Forget Me Not)، ليكون أول كتاب إهداء أدبي سنوي يصل إلى إنجلترا مستلهمًا نماذج مماثلة كانت رائجة في ألمانيا.ووفقًا لما جاء في مقدمة الكتاب، فقد صُمم ليكون هدية تذكارية أو عربونًا للصداقة والمحبة، في وقت بدأ فيه موسم هدايا الكريسماس يكتسب طابعًا تجاريًا واضحًا. وقد استهدف الإصدار منافسة الكتب الأنيقة المنتشرة في أوروبا، وإرساء تقليد جديد يقوم على تبادل الكتب المزخرفة خلال فترة الأعياد.وتؤكد سميث أن «لا تنسني» حقق نجاحًا سريعًا، رغم أن القارئ المعاصر قد يجد صعوبة في تفسير سر شعبيته. فقد جاء في هيئة كتاب صغير بحجم مناسب للحمل، وزُين برسوم للأزهار والأغصان، وضم قصصًا قصيرة، وقصائد، ورسومات مطبوعة بالقوالب الخشبية تصور أطفال العصر الجورجي، مصحوبة بتعليقات شعرية رقيقة، ما جعله هدية مثالية في المناسبات.وأدى نجاح الكتاب إلى ظهور عشرات الإصدارات المشابهة، من بينها «تقدمة الصداقة.. ألبوم أدبي»، و«الذكرى الأدبية»، و«التذكار»، لتتحول كتب الإهداء إلى ظاهرة ثقافية وتجارية انتشرت على جانبي المحيط الأطلسي.

صدور الترجمة اليونانية لرواية “عتبات البهجة” لإبراهيم عبد المجيد
الكتب في مقدمة الغزو التجاري للكريسماس
وترى الباحثة أن عشرينيات القرن التاسع عشر كانت المرحلة التي تحول فيها تبادل الهدايا في الكريسماس إلى عادة اجتماعية راسخة، وكانت الكتب في طليعة المنتجات التي قادت هذا التحول.وامتد تأثير هذه الظاهرة من لندن إلى بوسطن، وصولًا إلى كلكتا في الهند، حيث صدرت عام 1830 الدورية البنغالية الاستعمارية بعنوان فرعي هو «تذكار أدبي»، مزودة برسوم أُرسلت من إنجلترا، بينما كان محرروها وكتّابها وقراؤها جميعًا من البريطانيين، في دلالة على اتساع انتشار هذا النموذج الثقافي داخل الإمبراطورية البريطانية.وتختتم إيما سميث بالإشارة إلى أن كتب الإهداء في القرن التاسع عشر تمثل السلف المباشر للإصدارات الموسمية التي تملأ المكتبات اليوم مع اقتراب أعياد الميلاد ورأس السنة، إذ تعتمد دور النشر الحديثة، كما كان الحال قبل قرنين، على موسم نهاية الخريف وبداية الشتاء لتحقيق الجزء الأكبر من مبيعاتها السنوية.وبذلك، تكشف «سحر محمول» أن الكتاب لم يكن مجرد وعاء للمعرفة أو الأدب، بل لعب دورًا محوريًا في تشكيل العادات الاجتماعية، وصناعة ثقافة الهدايا، وإرساء ملامح الكريسماس الحديث التي لا تزال حاضرة في أنحاء العالم حتى اليوم.