لم تعد رياضة كرة القدم مجرد منافسة تنتهي بإطلاق صافرة الحكم، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها السياسة والثقافة والهُوية، حتى صار كل انتصار -في نظر الكثير من الجماهير- يحمل دلالات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ولهذا السبب، لم يكن تتويج إسبانيا بلقب كأس العالم بالنسبة إلى كثير من محبي الساحرة المستديرة مجرد إنجاز كروي جديد، بل بدا وكأنه انتصار رمزي ومبعث فرحة استثنائية لدولة اتخذت خلال الشهور الماضية مواقف لافتة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، فقد كانت مدريد من أوائل العواصم الأوروبية التي اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، وطالبت مرارًا بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، كما انتقدت حجم الدمار والخسائر البشرية، وانضمت إلى الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية بشأن تطبيق اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وواصلت دعم “الأونروا” في وقت علّقت فيه دول أخرى تمويلها.
وبالنسبة إلى كثيرين، شكّلت هذه المواقف معيارًا أخلاقيًا جعل المنتخب الإسباني يحظى بتعاطف خاص، صحيح أن البطولات تُحسم بالأهداف والمهارة والخطط، لكن الجماهير كثيرًا ما تمنحها معاني تتجاوز لغة الأرقام، وتقرأ فيها انعكاسًا لمواقف الدول وقيَمها.
في المقابل، ارتبط اسم الأرجنتين خلال السنوات الأخيرة بجماهيرية ليونيل ميسي الطاغية، حتى إن كثيرًا من مريدي “البرغوث” باتوا يشجعون “التانجو” من أجله أكثر من تشجيعهم للمنتخب نفسه، إلا أن المشهد اكتسب بُعدًا مختلفًا عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه الكامل للمنتخب الأرجنتيني، مبررًا ذلك بعلاقة حكومته الوثيقة بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، كما عبّر عدد من المسؤولين الإسرائيليين عن تأييدهم الصريح للأرجنتين، هذه التصريحات دفعت كثيرين إلى الاصطفاف خلف إسبانيا، ليس بدافع المنافسة الرياضية وحدها، وإنما تعبيرًا عن رفضهم للمواقف الإسرائيلية، وتقديرًا لمواقف مدريد تجاه فلسطين وخاصة غزة.
ومما زاد من شعور غالبية الجماهير بـ”التشفّي المشروع” في المنتخب الأرجنتيني أن الذاكرة لم تنسَ الجدل التحكيمي الذي ثار بسبب ارتكاب حكم لقاء المنتخب الوطني المصري ومنتخب الأرجنتين، أخطاء تحكيمية فادحة غيّرت المسار العادل للمباراة، وبالتالي النتيجة المستحقة، لذلك استقبلت المدرجات خسارة “التانجو” وفوز إسبانيا بشيء من التقبل والارتياح.
وربما لهذا السبب اكتسب فوز إسبانيا مذاقًا مختلفًا لدى كثيرين؛ إذ رأوا فيه انتصارًا رمزيًّا لدولة اختارت أن ترفع صوتها دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية في وقت آثر فيه آخرون الصمت، وبالطبع، لن تغيّر مباراة كرة قدم موازين السياسة، لكنها كشفت كيف أصبحت الرياضة مرآة لمشاعر الشعوب، وكيف تحوّل الانتصار في نظر الجماهير إلى رسالة تتجاوز حدود الملعب، وتعبر عن المواقف والقيم والانحيازات الإنسانية.