ضمن تجليات المهرجان القومي للمسرح، تتنوع الرؤى الإخراجية بين استعادة النصوص الكلاسيكية وإعادة تفكيكها بصريًا ودراميًا، لتكشف عروض «ليالينا» و«الجريمة والعقاب» و«كأن شيئًا لم يكن» عن تجارب مسرحية تبحث في الإنسان وصراعاته بلغة معاصرة ومغايرة. «ليالينا» وجوه مرسومة وأجساد كاريكاتورية فى عرض يستعيد «الناس اللى تحت»قدمت فرقة «جروتيسك» عرضها المسرحى «ليالينا» على خشبة مسرح متروبول، ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح، مستندة إلى نص «الناس اللى تحت» للكاتب نعمان عاشور، فى معالجة دراماتورجية وإخراج محمد الحضرى، ومنذ اللحظة الأولى يبدو واضحًا أننا لسنا أمام إعادة تقديم تقليدية للنص، بقدر ما نحن إزاء محاولة واعية لإعادة إنتاجه داخل رؤية بصرية ودرامية جديدة، تحافظ على روحه الأصلية، لكنها فى الوقت ذاته تعيد تشكيله بلغة معاصرة، تنفتح على أسئلة الحاضر دون أن تنفصل عن جذورها.ينطلق العرض من عالم نعمان عاشور، حيث تتكشف ملامح المجتمع المصرى فى منتصف الأربعينيات والخمسينيات، بكل ما يحمله من تفاوت طبقى وصراعات يومية تعيشها الطبقات الشعبية، غير أن «الحضرى» نسج فوق هذا العالم إطارًا مغايرًا منحه بعدًا إضافيًا، عبر إدخال شخصية «الرسّام» كمحور حاكم للرؤية، لتغدو الشخصيات وكأنها عناصر داخل لوحة تشكيلية، لا تتحرك وفق منطقها الدرامى الداخلى وحسب، وإنما أيضًا وفق عين خارجية تُعيد ترتيبها وتشكيلها باستمرار، إلى أن تتكشف فى النهاية كلوحة مكتملة رسمها هذا الفنان، بما يفتح أفقًا تأويليًا يتجاوز حدود الحكاية المباشرة إلى تأمل آليات التشكيل ذاتها.وهذا التصور ينعكس مباشرة على التكوين البصرى للعرض، فلا يظل حبيسًا للفكرة المجردة، بداية من المكياج الذى صممه محمد شاكر، والذى تحول إلى أداة دلالية أساسية، حيث بدت الوجوه محددة بخطوط واضحة، والأجساد ممهورة بلمسات لونية تمتد إلى الأيدى والأقدام، بما يعزز فكرة «الشخصيات المرسومة»، ويمنح تدخلات الرسام داخل العرض مبررًا بصريًا ومنطقيًا. ومن هنا، يتكامل هذا المسار مع تصميم الأزياء لـ«لبنى المنسى»، حيث جاءت الرسومات على الملابس معبّرة ومرتبطة بطبيعة كل شخصية وتحولاتها النفسية والاجتماعية، وإن ظل اختيار الألوان أقل جرأة نسبيًا مقارنة ببقية العناصر، وهو ما كان يمكن أن يمنح العالم البصرى كثافة أكبر لو تم دفعه إلى أقصى حدوده التعبيرية.ومع ترسخ هذا العالم التشكيلى، ينتقل العرض بسلاسة إلى مستوى الأداء التمثيلى، حيث يتضح أننا أمام أسلوب يقوم على الكوميديا الساخرة المائلة إلى المبالغة، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعته الجمالية: هل نحن أمام «جروتيسك» أم «برولسك»؟ والحقيقة أن العرض لا ينحاز بشكل قاطع إلى أحدهما، بل يتحرك بينهما فى منطقة وسطى، تتجاور فيها الغرابة والتشويه مع السخرية والمحاكاة، فحين يتحول الضحك إلى إحساس مقلق، مشوب بشىء من القسوة أو الاختلال، نكون إزاء «جروتيسك»، وحين يصبح الضحك قائمًا على تقليد ساخر لواقع جاد دون توتر داخلى، نقترب أكثر من البرولسك، وهو التداخل الذى يمنح العرض ثراءً أدائيًا وتنوعًا فى مستويات التلقى.ومن داخل هذه المساحة المركبة، تبرز شخصية «صاحبة البيت» التى قدمتها علياء الحقبانى، وهى واحدة من أكثر النماذج اكتمالًا، حيث اعتمدت على وعى دقيق بحركة الجسد، فى مشيتها وجلستها وتفاصيل أدائها، إلى جانب تحكم واضح فى الإفيهات اللازمة التى تكررت دون أن تفقد بريقها، مثل لازمة «البرشامة»، لتقدم نموذجًا جروتيسكيًا واضح المعالم. وعلى نفس المسار، جاء أداء «الزوج» محمّلًا بالروح ذاتها، فى حين ينحرف الخط قليلًا مع شخصية «لطفية» «دينا السواح» التى تميل إلى الأداء الواقعى الهادئ، على الرغم من رسم ملامحها بالمكياج على أنها شخصية جروتيسكية، وكانت هناك مناطق تتبع الأداء المبالغ فيه، لكن سرعان ما جاءت مشاعر الشخصية لتعود بها إلى الطبيعية أغلب الوقت، حيث تعتمد على صدق التعبير عن المشاعر، خاصة فى لحظات الصمت أو التفاعل مع الأغانى، وهو ما ينسحب أيضًا على شخصية «الرسام»، ليخلق العرض تباينًا مقصودًا بين عالمين: عالم مبالغ فيه يقترب من الكاريكاتير، وآخر أكثر رهافة وواقعية، وبين هذين القطبين تتحرك بقية الشخصيات، مثل الخادم والخادمة، داخل نطاق البرولسك، بما يثرى تنوع الأداء دون أن يفقده تماسكه. «الجريمة والعقاب» قراءة مسرحية جديدة للصراع النفسى والوجودى قدّم المخرج محمود الحسينى، ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح وعلى خشبة مسرح الهناجر، عرض «الجريمة والعقاب»، الذى تولى دراماتورجيته وإخراجه، والمستلهم من رواية «الجريمة والعقاب» لفيودور دوستويفسكى، حيث يعيد تفكيكها وبناءها وفق رؤية مسرحية كثيفة بصريًا ووجوديًا، تُعلى من الصراع الداخلى للشخصية، وتحول الفعل الإجرامى من حدث خارجى إلى بنية نفسية ممتدة تحكم إيقاع العرض منذ لحظته الأولى وحتى نهايته.ينتمى العرض إلى منطقة اشتغال مسرحى تتعامل مع النص الروائى كبنية فكرية قابلة لإعادة التكوين داخل وسيط مختلف بعيدًا عن فكرة قابليتها للتلخيص أو التبسيط، ومن ثم، فإن العرض لا يسعى إلى تمثيل رواية دوستويفسكى بقدر ما يعمل على إعادة توزيع ثقلها الدلالى، عبر مجموعة من الاختيارات الدقيقة التى تمس الشخصيات، والفضاء، والصوت، والإيقاع، بحيث تنتج فى النهاية رؤية مغايرة جذريًا لمسار الذنب والعقاب.فى الرواية الأصلية تُبنى الجريمة على افتراض نظرى، وهو أن «راسكولنيكوف» يختبر فكرة الإنسان الاستثنائى الذى يملك الحق فى تجاوز القوانين الأخلاقية، بينما فى العرض يحتفظ بهذا البعد الفلسفى، لكنه يفرغه من طابعه التجريدى عبر إعادة تشكيل واقعة الجريمة نفسها، وهو ما تجلى بوضوح فى التحوير الذى طال شخصية «فوانوف»، وتحويله إلى ابن معاق للمرابية يعيد صياغة مركز الثقل الأخلاقى للفعل؛ فبدلًا من أن تكون الجريمة موجهة ضد نموذج اجتماعى فاسد، تصبح ملوثة منذ البداية بوجود كائن ضعيف، عاجز، حاضر جسديًا على الخشبة، بما يجعل الفعل الإجرامى أكثر مباشرة وأكثر إدانة، وهذه النقطة لم تتوقف عند لحظة القتل، فقد امتدت- كما كشفت تفاصيل العرض- لتصبح أحد أعمدة البناء النفسى.لا يغيب «فوانوف»، إذ يعود فى مشهد السجن ليمثل حضورًا مستمرًا، أقرب إلى تجسد مادى للذنب، وهذا الاستخدام يغير من طبيعة العقاب؛ فلم يعد مرحلة لاحقة، لكنه أصبح حالة ملازمة، تبدأ مع الجريمة وتستمر بعدها، من دون أفق واضح للخلاص. ووجود «فوانوف» داخل السجن، رغم لا واقعيته، يشتغل دراميًا مخترقًا الزمان والمكان، ليؤكد أن ما نشهده ليس سجنًا واقعيًا، وإنما فضاءً داخليًا مشحونًا بالذاكرة والهلوسة.انطلاقًا من هذا التأسيس، يُعاد بناء شخصية «راسكولنيكوف» على نحو مختلف؛ فالشخصية هنا لا تمر بمسار تحولى واضح، حيث تقدم منذ البداية وهى فى حالة اهتزاز، والتفاصيل الأدائية- التى تتبدى فى التقطعات الحركية، وفى النبرة الصوتية المتذبذبة، وفى لحظات الصمت الممتدة- تكشف عن كائن يعيش داخل صراع جسديًا ونفسيًا فى آن، حتى لحظات المواجهة لا تحمل يقينًا، حيث تبدو كمحاولات يائسة للتماسك. ومع تقدم العرض لا نشهد انتقالًا نحو الاعتراف باعتباره خلاصًا، بقدر ما نرى انغماسًا أعمق فى حالة الانهيار، بما ينسجم مع الرؤية العامة التى تفرغ فكرة العقاب التطهيرى من مضمونها. وفى مقابل هذا التصدع الداخلى، تأتى شخصية «بورفيرى» كعنصر منظّم وقوة عقلية تضبط إيقاع المواجهة، فالعلاقة بينه وبين «راسكولنيكوف» تُبنى- كما يتضح من التفاصيل البصرية- على منطق لعبة محسوبة، وهو ما يتجسد عبر إسقاط رقعة الشطرنج على خلفية المسرح فى «جوبو» الساعة.. والذى يأتى كبنية تنظيمية للحوار، فكل مواجهة بين الشخصيتين تتحول إلى حركة داخل لعبة أكبر، حيث تتقابل الاستراتيجيات، لكن فى ظل اختلال واضح فى التوازن يتحرك «راسكولنيكوف» من داخل اضطرابه، بينما يحتفظ «بورفيرى» بموقع المراقب المسيطر.يقوم الفضاء المسرحى على تكوين بصرى شديد الخصوصية، يتمثل فى استخدام التوابيت كوحدات بنائية أساسية، وتأتى قوة هذا الاختيار من مرونته الوظيفية، فالتوابيت لا تبقى ثابتة، حيث يعاد ترتيبها لتشكل فضاءات متعددة مثل: غرفة، ساحة، سجن، أو حتى مستويات ذهنية، هذه الديناميكية تمنح العرض قدرة على الانتقال السلس بين المشاهد، لكنها فى الوقت ذاته تفرض إطارًا دلاليًا صارمًا، إذ تنبثق كل الفضاءات من بنية واحدة هى الموت. «كأن شيئًا لم يكن» الشنط المضيئة تكشف دواخل الشخصيات العرض المسرحى «كأن شيئًا لم يكن» يقوم على دراماتورجيا ميشيل منير، وإخراج بيشوى عماد، مستندًا إلى مزج نصىّ «الوردة والتاج» لـ«جى. بى. بريسلى» و«فى الطريق» لـ«أنطون تشيخوف»، فى محاولة لإنتاج بنية درامية جديدة تتجاوز الأصلين.على مستوى الدراماتورجيا، قدم ميشيل منير معالجة ذكية فى مزج النصين، بحيث بدا العرض وكأنه مكتوب من منبع واحد، دون الإحساس بالانفصال أو التنافر بين المصدرين، وهو ما يُحسب له على مستوى البناء العام والحوار، الذى جاء سلسًا ومتماسكا، غير أن هذا الاشتغال، رغم نجاحه فى تحقيق وحدة النسيج، اتجه إلى دفع الحبكة نحو الذروة بشكل سريع نسبيًا، الأمر الذى أثر على التدرج الدرامى التقليدى. ومع ذلك، ظل المزج فى مجمله قادرًا على خلق عالم درامى متماسك، قائم على فكرة الانتظار على حافة المصير.أما على مستوى الإخراج، فقد تمكن بيشوى عماد من الإمساك بإيقاع العرض بوعى واضح، معتمدًا على بناء لحظات بصرية ذات دلالة، أكثر من اعتماده على الفعل الواقعى المباشر، ومن أبرز هذه اللحظات مشاهد انكشاف دواخل الشخصيات عند اقترابها من الموت، حيث استخدم المخرج «الشنط المفرغة» كوسيط بصرى؛ تُضاء من الداخل، ويُدخل الممثل رأسه داخلها، فيبدو وجهه مضاءً داخل كتلة من الظلام، كأننا أمام نافذة صغيرة تطل على العالم الداخلى للشخصية، حيث إن هذا التشكيل أداة درامية مكثفة لاختزال لحظة الاعتراف.وتتجلى فاعلية الرؤية الإخراجية كذلك فى معالجة شخصية «الغريب» (ملك الموت)، التى قدمها مايكل مجدى، حيث اعتمد المخرج على تعددية ظهوره فى الفضاء المسرحى فظهر من الخلف، من بين المتفرجين، من أسفل البار، ومن خلال الشبابيك، بل وظهوره من نقطتين فى آنٍ واحد، هذا التعدد فى مستويات الحضور عزز من لا واقعية الشخصية، وأسهم فى ترسيخها كقوة مطلقة، ما جعل المتلقى يتقبّلها دراميًا دون حاجة إلى تمهيد حوارى طويل.كما برزت التكوينات الحركية باستخدام الشنط المفرغة، خاصة فى لحظة وضع «هارى» (مينا سمير) فوقها فى هيئة أقرب إلى صورة «المخلّص»، فى دلالة على قبوله التضحية بنفسه لإنقاذ الآخرين من عذابهم، ثم تحوّل هذه الشنط فى النهاية إلى تكوين يشبه التوابيت، فى انتقال بصرى مباشر من الخلاص إلى الفناء.الناقد والكاتب هانى مهران
ثقافة, جريدة الدستور
9 أغسطس، 2026