ثقافة, جريدة الدستور 9 أغسطس، 2026

“يا ابني.. مهنة الفخار تُستر وما تُغنيش” بهذه الوصية المتوارثة بين أجيال الفواخير، يستهل محمد موسى أحد صناع الفخار بقرية الفواخير بقطاع مصر القديمة بالفسطاط حديثه لـ”الدستور” ليرسم صورة واقعية لحرفة شكلت الوعي الحضاري لمصر على مدار 7000 عام، ويكشف موسى عن الفجوة الحالية بين التطوير العمراني للأحجار، وغياب الأمان الاجتماعي للإنسان الذي يحرك الطين بأطراف أصابعه.

«تُستر وما تُغنيش».. 7 آلاف عام من الفخار المصري تبحث عن مظلة تحميها (تحقيق)

الحدود الدنيا للمرحلة الثانية وظهور نتيجة تنسيق المرحلة الأولى.. متحدث التعليم العالي يوضح

أنا من قرية الفواخير بالفسطاط في دائرة مصر القديمة، أكثر ما كان يتردد على لسان والدي وهو شيخ الصنعة وأساسها بالنسبة لي أن هذه الحرفة ذات تاريخ عريق غرسناه أبًا عن جد، كانت في بدايتها حرفة بدائية تنتج قطعًا بسيطة كالقلل والأزيرة، ومع مرور الأيام تطورت الصناعة وبدأنا في إنتاج المجات، والطواجن، والمزهريات، والقطع المتعلقة بالديكور والإضاءات كالأباليك والأبجورات ومستلزمات القرى السياحية، بينما أصبحت المنتجات التقليدية كالزير والقلة أقرب إلى التراث وأوشكت على الاندثار، حتى صرنا نستوردها من محافظات أخرى كالمنوفية والغربية عند الحاجة.

img
أواني فخارية متعددة الاستخداملقد طورت الدولة القرية ورفعت مستواها، وكان التحول الأساسي في “نظام الحرق” حيث كنا نحرق بالخشب والمواد البدائية مما يلوث البيئة، أما الآن فقد أصبحنا أصدقاء للبيئة بنظام الحرق بالغاز والكهرباء، وتطورت أدوات العمل بين الدولاب اليدوي الذي يدار بالقدم والدولاب الكهربائي.أولادنا رفضوا الاستمرار في الحرفة لأنها مهنة ضعيفة المردود المادي، واجتهدنا قدر المستطاع لتعليمهم، فبفضل الله لدي ابنة في كلية الألسن (لغات) وابنة في الثانوية العامة وولد، لكن لا أحد منهم يحب هذه الشغلانة أو يرغب في القدوم إلى الفاخورة، ارتباطي بها يعود لأن والدي هو شيخ الصنعة، لكن العائد المادي منها ضعيف جدًا.أكبر ما يهدد الفخار اليوم هو ارتفاع أسعار المواد الخام، والغاز، والكهرباء، وقلة التسويق، ارتفاع أسعار الطاقة يمثل عقبة كبيرة، ونحن نطالب بدعم حكومي في أسعار الغاز والكهرباء لأننا مهنة أسرية وتراثية، ولا يجوز معاملتنا بسعر السوق التجاري، هذا الارتفاع يجبرنا على رفع سعر المنتج لنغطي التكلفة ونحصل على هامش ربح بسيط، بينما يمتلك الجمهور فكرة مسبقة بأن الفخار سلعة رخيصة، في حين أن الفخار يقدر خارج مصر بأعلى القيم.إذا تعرض أي منا لظرف صحي، فلا توجد شبكة أمان حقيقية، توجد جمعية (جمعية الفسطاط للفخار) وكيان شبه نقابي متواجدان قانونيًا، لكنهما غير فعالين ولا نلمس لهما أثرًا، لا نمتلك تأمينًا صحيًا ولا تأمينات ولا معاشات، وكثير من الصناع هنا تجاوزوا سن الستين والسبعين دون أي معاش.الدولة قامت بالتطوير العمراني وبنت لنا القرية، وسيادة رئيس الجمهورية زارنا ودعمنا بإنشاء مدرسة ومسجد، لكن ما نحتاجه هو “الاستدامة والدعم المستمر” في أسعار الطاقة، وتوفير مظلة تأمينية وصحية، نحن مستعدون تمامًا لدفع اشتراكات منتظمة في مقابل الحصول على تأمين صحي ومعاش يحفظ كرامة الصناع عند الكبر.
img
فرن الغازنحن نسعى للمشاركة في المعارض المتاحة مثل معرض “الزهور بالأورمان”،”ديارنا” و”تراثنا”، لكننا نحتاج إلى دعم أكبر في التسويق والدعاية، وتوجيه المستهلك إلى أن هذه القرية هي أعرق وأقدم قرية فخار في الشرق الأوسط.المدرسة الموجودة هنا تخرج أجيالًا جديدة تتعلم الحرفة، لكن الاستمرار يتطلب تشجيعًا ودخلًا يكفي متطلبات البيوت، الصناع الذين يعملون على الدولاب اليدوي اليوم أعدادهم قليلة جدًا وأعمارهم تجاوزت الستين عامًا، والمهنة تحتاج لمحفزات لضمان انتقالها للأجيال القادمة.أما عن الطين المستخدم، فأجوده هو “الطين الأسواني” الذي يجلب من أسوان، فهو شديد النقاء ويتحمل الحرارة العالية ويعطي منتجًا يعيش طويلًا، ولا نضيف إليه سوى الماء، ثم يأتي دور التزجيج بعد الحرق الأول، وتعلم هذه الحرفة لمن لديه الشغف يتطلب سنة كاملة على الأقل من المتابعة والممارسة.وكما كان يقول أهالينا قديمًا: “مهنة الفخار تستر وما تغنيش” أي أنها تسد الحاجة وتعيش الصانع لكنها لا تجعله ثريًا، ومع ذلك هي ليست مجرد عمل، بل هي إبداع وفن يشعر فيه الصانع أنه يبتكر كأي فنان، ونحن نريد فقط الدعم والمتابعة لنستمر ونرفع اسم مصر عاليًا بحرفة هي من أقدم صناعاتها التاريخية.
img
تماثيل فخارية يقول محمد القيناوي، أحد الحرفيين العاملين في صناعة الفخار: “إذا شحن كارت الكهرباء بمبلغ 900 جنيه وانقطع التيار أثناء العمل داخل الفرن، فإننا نضطر لإعادة العمل من البداية بسبب فقدان الحرقة، ما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة”، ويؤكد القيناوي أن التسويق وتخصيص معارض للفخار داخل مصر وخارجها من شأنهما زيادة الأرباح بمعدل يصل إلى 25 أو 30 ضعفًا، مشيرًا إلى أن إنتاج كميات كبيرة من الفخار دون تسويق مناسب لن يعود بالنفع على الحرفيين. ويرى أنه من الضروري أن تكون هناك جهة تابعة للدولة مسؤولة عن قطاع الفخار وتوليه اهتمامًا أكبر، وهو ما من شأنه أن يدر على البلاد عائدات مالية كبيرة بعملات مختلفة، ويشدد القيناوي على أهمية توفير الاستقرار للصانع من خلال ضمان التأمين الصحي له، وإنشاء نقابة تحمي حقوقه، إضافة إلى تخصيص معاشات لكبار السن من الحرفيين، خاصة أن مصر تضم عددًا كبيرًا من المناطق المعنية بصناعة الفخار، منها:
img
خريطة أشهر مناطق الفخارقرية الفخارين بمنطقة الفسطاط وهي من أشهر مراكز صناعة الفخار في مصر، وتنتج تشكيلة واسعة تشمل أواني المائدة والقلل والزيار وأصص النباتات والتماثيل والديكورات المنزلية، مع الحفاظ على الطابع التقليدي للحرفة، ويمثل مركز الحرف بالفسطاط أحد أهم مشروعات إحياء الحرف التراثية، إذ يضم ورشًا متخصصة في الفخار والخزف، ويستقبل الفنانين والباحثين والسائحين من مختلف أنحاء العالم كنافذة للتعريف بتاريخ الحرف المصرية.وتعرف قرية النزلة بالفيوم بأنها إحدى أهم قلاع صناعة الفخار والخزف، وتعتمد على طمي النيل والتبن وفق أساليب تعود إلى المصريين القدماء، وتضم منشآت مبنية من الفخار وتستقبل زوارًا من مختلف دول العالم، أما قرية المجفف بمركز ديرب نجم في الشرقية، فتشتهر بإنتاج القطع الزخرفية كأباجورات الإضاءة وأحواض النوافير والقلل والزيار، إلى جانب التصنيع حسب الطلب. وتعد قرية جريس بالمنوفية من أبرز مراكز الإنتاج، وتتميز بصناعة الأطباق والأواني والطواجن والقلل بمختلف الأشكال والألوان، ونجحت في تصدير منتجاتها للأسواق الخارجية، وتقع قرية البلاص، أو “المحروسة”، بمركز نقادة في قنا، وتعرف بـ”قلعة الفخار في صعيد مصر”، ويعود اسمها القديم “إنجلاس” إلى معنى “إناء الفخار” عند القدماء المصريين، وتضم نجوعًا متخصصة بالحرفة مثل الفواخير والدوم والحميرات.كما اشتهرت منطقة نجع حمادي وقرية الرحمانية قبلي في قنا بـ”الفخار القناوي”، وتحديدًا صناعة القلل المعروفة بجودة طينها وخفة وزنها، وتتميز منطقة النوبة بأسوان بفخار نوبي ذي ألوان زاهية وزخارف مستوحاة من الموروث الشعبي النوبي، بينما تضم محافظتا الوادي الجديد وسيناء مجتمعات حرفية ما زالت تحافظ على صناعة الفخار كموروث متوارث.”ورغم انتشار هذه القلاع الحرفية على امتداد خريطة مصر، إلا أن تشتت جهات ولايتها يظل العقبة الكبرى أمام نهضتها”. 

لغة الأرقام: الفخار في سوق العالم

صادرات مصر من منتجات الخزف خلال الفترة (2021 – 2025)

img
صادرات وواردات مصر من منتجات الخزف خلال الفترة (2021 – 2025)

الإجمالي العالمي للصادرات:

سجلت صادرات مصر من منتجات الخزف نحو 40.1 مليون دولار في عام 2021، قبل أن تشهد تراجعًا متتاليًا لتصل إلى 35 مليون دولار في 2022، ثم 29.9 مليون دولار في 2023، لتهبط إلى 27.3 مليون دولار في 2024. وفي عام 2025، استقرت الصادرات نسبيًا عند 27.8 مليون دولار، في إشارة إلى توقف الانحدار المستمر منذ أربع سنوات. 

الصادرات حسب أبرز الدول المستوردة:

ليبيا: تراجعت الصادرات إليها من 8.7 مليون دولار في 2021 إلى 3.4 مليون دولار فقط في 2025، في انخفاض حاد يتجاوز 61%.الأردن: انخفضت من 5.5 مليون دولار في 2021 إلى 1.2 مليون دولار في 2025.ألمانيا: تراوحت بين 5.2 مليون دولار في 2021 و4.3 مليون دولار في 2025، مسجلة أكثر استقرار نسبي بين الأسواق الرئيسية.المملكة المتحدة: حافظت على مستوى شبه ثابت، من 2.6 مليون دولار في 2021 إلى 2.3 مليون دولار في 2025.السعودية: تراجعت من 2.3 مليون دولار في 2021 إلى 854 ألف دولار في 2025. ترتيب أكبر مستوردي الخزف المصري خلال 2025:تصدّرت ألمانيا قائمة الدول المستوردة للخزف المصري بقيمة 4.3 مليون دولار، تلتها ليبيا بـ3.4 مليون دولار، ثم المملكة المتحدة بـ2.3 مليون دولار، فـإيطاليا بـ1.6 مليون دولار، وأخيرًا فرنسا بـ1.5 مليون دولار.

img
أكبر مستوردي الخزف المصريواردات مصر من منتجات الخزف خلال الفترة (2021 – 2025) 

الإجمالي العالمي للواردات:

بلغت واردات مصر من الخزف نحو 16.7 مليون دولار في عام 2021، ثم ارتفعت إلى 18.6 مليون دولار في 2022 لتسجل أعلى مستوياتها خلال الفترة، قبل أن تتراجع قليلًا إلى 17.4 مليون دولار في 2023، ثم ترتفع مجددًا إلى 18.3 مليون دولار في 2024، لتستقر عند 18 مليون دولار في 2025. 

الواردات حسب أبرز الدول الموردة:

الصين: ارتفعت من 4.5 مليون دولار في 2021 إلى 6.4 مليون دولار في 2022، ثم استقرت في حدود 5.1 مليون دولار بحلول 2025.الهند: تراوحت بين 2 مليون دولار في 2021 و2.1 مليون دولار في 2025، مع ذروة بلغت 2.8 مليون دولار في 2024.إسبانيا: تذبذبت بين 2.1 مليون دولار في 2021 و2 مليون دولار في 2025.السعودية: شهدت أكبر قفزة نسبية بين جميع الدول، من 2100 دولار فقط في 2021 إلى 1.13 مليون دولار في 2025.ألمانيا: تراجعت من 1.4 مليون دولار في 2021 إلى 1.1 مليون دولار في 2025.

img
أكبر موردي الخزف لمصر خلال 2025

ترتيب أكبر موردي الخزف لمصر خلال 2025:

تصدّرت الصين قائمة الدول الموردة للخزف بفارق كبير عن باقي الدول، بقيمة 5.1 مليون دولار، تلتها الهند بـ2.07 مليون دولار، ثم إسبانيا بـ2 مليون دولار، فـالسعودية بـ1.13 مليون دولار، وأخيرًا ألمانيا بـ1.1 مليون دولار.

img
إجمال واردات مصر من الخزف من عام 2021 حتى 2025

تشتت المؤسسات وتطوير الفواخير.. قراءة في الوعي الحضاري للفخار وتحديث المكان.

 “هذه الصناعة وزعت دماؤها على أكثر من جهة ووزارة” بهذه الكلمات يضع يقول الدكتور مسعود شومان رئيس اللجنة الاستشارية لأطلس المأثورات الشعبية يديه على الجذور العميقة للأزمة والمخاطر الكبيرة التي تهدد صناعة الفخار اليوم، يلخص بعضها في عدد من النقاط، لعل أهمها عدم وجود مظلة مؤسسية واحدة ترسم استراتيجية لهذه الصناعة التي توزعت دماؤها على أكثر من جهة ووزارة. 

img
وأكد شومان أن الخطورة تكمن في التعامل مع “الفاخورة” و”الفخراني” بشكل متحفي، كحلية أو زينة يتم استدعاؤها حين يودون الحديث عن الهوية أو الماضي التليد، فضلًا عن عدم وجود مظلة اجتماعية أو نقابية ترعى الكنوز البشرية الحية من صناع الفخار، فالمؤسسات الفنية والثقافية تتعامل مع المهنة دون استراتيجية تتيح للصانع مكانًا آمنًا، ودون رعاية صحية، ودون تسويق مخطط له يشجع المستهلك والصانع على استكمال الرحلة والتالي الحفظ على صناعة تاريخية تميزت بها مصر عبر عصورها التاريخية، ومن هنا يعرب شومان عن حلمه بوجود وزارة للحرف التقليدية، إذا كنا نتحدث عن الصناعات الثقافية وما تجلبه من عوائد استثمارية في أهمية ما يميز مصر وهو حرفها التقليدية الأصيلة التي تشكل عماد الهوية المصرية.  وحول توثيق هذا التراث الشعبي للحفاظ عليه للأجيال القادمة، أوضح رئيس اللجنة الاستشارية لأطلس المأثورات الشعبية أن هناك مجهودات ميدانية وعلمية كثيرة، لعل أهمها إعداد “أطلس المأثورات الشعبية الخاص بالفخار” الذي أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهو عمل علمي مهم قام على إنجاز جمع مادته مجموعة من الجامعين الميدانيين وكان رئيسًا للجنة الاستشارية العليا لهذا المنجز الذي وثق كل ما يتعلق بالفخار بداية من الفاخورة وأشكالها وأماكنها والخامات والأدوات (كالجرادل والجراكن والمقاطف والغرابيل) ولفت شومان إلى التوثيق الخاص بـ “الدولاب”، وهو الآلة الرئيسة في تصنيع الفخار منذ بدأت الصناعة ويسمى العجلة أو الحجر، وظل شكله على ما هو عليه منذ القدم حيث وجد في بعض النقوش على جدران معابد القدماء المصريين بنفس الشكل، وبالرغم من تطوير وسائل العمل في السنوات القليلة الماضية واستخدام الميكنة في تشغيل الدولاب بالتيار الكهربائي بدلًا من استخدام القدم إلا أن هيكله لم يتغير. 
img
أواني فخارية متعددة الاستخداموأشار إلى أن الأطلس تضمن أيضًا مراحل التصنيع (الإنتاج) والإشارة إلى الأشكال المتعددة للفخار مثل القلل والأباريق والأطباق والجرار والزمزميات والبكارج، والشمعدانات والمحالب والدماسات والزبديات والطرشيات والقوارير والمسارج والبوشات (جمع بوشة) والطواجن والمواجير وألعاب الأطفال والدمى المتعددة وغيرها من الأشكال والهيئات التي لا حصر لها، حيث تتحد حركة القدم مع الخبرة والوعي ليقوم الفخراني بتشكيل منتجه في سرعة ومهارة ليخرج محققًا وظيفته دون إهمال لشكله الجمالي جامعًا بين النفع والجمال، كما يتضمن الأطلس مراحل الإعداد والتجهيز بداية من تشكيل المنتجات.  وعن الخطوات الضرورية لإنقاذ صناعة الفخار وإعادة الاعتبار لها كرمز للتراث، شدد دكتور مسعود شومان على أن الخطوة الجوهرية تتمثل في رسم استراتيجية لرعاية الحرف التقليدية وتوحيد جهة الرعاية، بدلًا من تنازع الجهات والمؤسسات على هذه الحرف والنتيجة أن الاهتمام مشتت ولا يتركز بعمق على الصناعة وصناعها.
img
أواني فخارية متعددة الاستخداموأضاف موضحًا ضرورة إيجاد مظلة اجتماعية ونقابية للحرفيين، إضافة إلى نشر الوعي الخاص بالمنتجات الفخارية بعيدًا عن الثقافة التي تنظر بدونية لمنتجاتنا المصرية، والاهتمام بالحفاظ على الكنوز البشرية الحية وإعداد أفلام وثائقية عنهم وتعريف المجتمع بهم وبأهمية دورهم، فضلًا عن تحديث عمليات الجمع الميداني ودراسة كل فاخورة كحالة ثقافية وفنية، وتكليف الجامعات خاصة الكليات الفنية بتكليف طلابها بإعداد دراسات معمقة للاستفادة من المخزون التراثي والجمالي والمعرفي الذي ما يزال مستمرًا وفاعلًا منذ عهود المصريين القدماء وحتى هذه اللحظة.  وحول سر صمود الحرفة لآلاف السنين، بين شومان أن الفخار ارتبط بالنيل وبطميه وبمجموعة من العادات والتقاليد والممارسات والمعتقدات التي شكلت منظومة من القيم، ولأن المصري يقدر تاريخه وتاريخ أجداده، فإنه حافظ على وصل ما لم ينقطع، وربط بين الوظيفتين النفعية والجمالية، فاستمر الفخار منذ الإله “خنوم” برمزيته حتى صناعه المهرة الذين طوروا أدوات الصناعة وشكل المنتج، وإن حافظوا على عدد كبير من أنواع المنتجات الفخارية، فضلًا عن عدم تخلي المصريين عن بعض الممارسات التي تتعلق بالمنتجات سواء كانت مرتبطة بالمأكل والمشرب وإطعام وشرب الحيوانات، إضافة لارتباط بعض المنتجات بتجليات اعتقادية مثل القلة والإبريق وارتباطهما بطقس “السبوع”.
img
أواني فخارية متعددة الاستخداموحول تنوع الفخار عبر المحافظات، أوضح شومان أن هناك مشتركات بين عدد من المنتجات وهناك تمايزات تتعلق بالاستخدام في الحياة اليومية، ويرتبط بوظيفته شكله الجمالي والوحدات الزخرفية التي تدل على المكان، ولفت إلى أن خامة الطين هي المادة الأولية الموجودة في الطبيعة وأشكالها متعددة، فبعضها متحجر في الجبال والسهول والوديان، وبعضها متخلف عن شواطئ الأنهار، وبعضها مترسب من مياه الأمطار التي تذيب مكونات مادة الطين من المواد الأخرى، وتوجد في جميع أنحاء العالم بنسب متفاوتة وشوائب مختلفة عالقة بها كيميائيًا أو طبيعيًا.  وبين أن تعدد أشكال المنتجات يشير إلى تعدد أنواع المواد التي تصنع منها، فضلًا عن تعدد الإضافات التي تمزج بالطينة ويطلق على كل نوع اسم خاص يكتسب إما من لونه أو نوعه أو منطقة جلبه، وذكر أن أنواع الطينة تتعدد لتشمل: “الطينة السوداء، الطينة الأسوانلي، طينة التبين، والطينة الفرنساوي”، وتسهم الإضافات التي تضاف إلى الطينة بغرض زيادة تماسكها وزيادة صلابة المنتج أو لإضافة لون كإضافة «الحمرة» في صنع الأزيار، ومن هذه الإضافات: التبن (الدِمْس)، تراب الفرن (الرَماد)، الرمل، و«الحُمرة» وهي ناتج الحريق التالف أو المكسور من مخلفات الفاخورة أو الطوب الأحمر الذي يطحن ويضاف للطينة لزيادة صلابتها، وهي خامات وإضافات تعكس ثقافة المكان وشكل المنتج في ضوء وظيفته، كما تتجلى فيه جملة من العادات والتقاليد والمعتقدات التي يعلن عنها المنتج الفخاري بشكل مباشر أو رمزي. 
img
مزهريات من الفخارواختتم دكتور مسعود شومان حديثه بالـتأكيد على أن المنتج يمر بمراحل متعددة حتى يصل إلى الهيئة التي يكون عليها بين أيدي المستخدم، وتزيد هذه المراحل أو تنقص حسب حجم المنتج وتفاصيل تشكيله، فمراحل تصنيع القلة تختلف عن تصنيع الإبريق، واستعرض أمثلة لمراحل تصنيع بعض المنتجات، ومنها: “الزير وهو إناء مخروطي الشكل يستخدم في تخزين مياه الشرب وتبريده، و”القلل” التي تمر بتصنيعها بثلاث مراحل حيث يبدأ الفخراني العمل في جسم القلة صباحًا ويتركه في الظل حتى الساعة الواحدة ظهرًا تقريبًا ثم يستعيدها مرة أخرى لعمل الرقبة، ثم يقوم بتصنيع “الودان” التي يتم تركيبها في اليوم التالي ووضع القلة على رقبتها لتسويتها، بينما تُصنع قلة الزينة الصغيرة مرة واحدة.  وأشار إلى أن صناعة “الإبريق” تمر بخمس مراحل هي: (الجسم، الزور، البزبوز، الودان، والكعب)، إلى جانب منتجات أخرى مثل: (الطاجن، البرام، مساقي الحمام والأرانب، الماجور، الباطية، صحفة السمك، والبُكلة)، لتأتي بعدها مرحلة التجفيف والتشطيب والحرق، كما لفت إلى أن الأطلس يرصد نظام العمل بالفاخورة وفق تدرج وظيفي باعتبارها حرفة وراثية في المقام الأول يعمل فيها أبناء صاحبة الفاخورة (“المعلم”) أو أقاربه، فضلًا عن تصنيف المنتجات وفق استخداماتها (طهي وإعداد الطعام، حفظ المياه، الزراعة، تربية الطيور والحيوانات، والممارسات المرتبطة بالعادات والمعتقدات)، وصولًا إلى مراحل البيع والتسويق والعادات والمعتقدات المرتبطة بالفخار. من «حبال الطين» إلى «النوستالجيا».. قراءة أثرية وإنسانية في أسرار الفخار المصري القديم”الفخار ليس مجرد أوعية صنعت من الطين، بل وثائق تاريخية صامتة وسطور حية حفظت بين تفاصيلها ملامح المجتمع المصري القديم” بهذه الرؤية يستهل الدكتور رامي قاسم، جامع التراث والباحث في التاريخ، يعود شغفه باقتناء الأواني الفخارية خاصًا للعصرين الفاطمي والعباسي، إذ يرى أنها كانت تمثل جميع فئات الشعب، فمهما تفاوت المصري ثراءً أو فقرًا، كان يمتلك آنية فخارية تحمل صفة له أو حكاية أو صورة من حياته اليومية، وترك الأثرياء والملوك والنبلاء أوانيَهم كما ترك البسطاء أوانيهم أيضًا، والفارق كان فقط في طرق الصناعة ونقاء الطينة ودقة الزخرفة، دون أن يختلف أصل الامتلاك، ويربط قاسم هذا الشغف بجذر إنساني فطري، مشيرًا إلى أن الإنسان صُنع أساسًا من صلصال كالفخار، ما يخلق نوستالجيا وحنينًا تلقائيًا للماضي يدفع الشخص للشرب من “قلة” أو “زير” في الشارع.
img
إناء فخاري مغطى بنصف طبقة من الجليز لحفظ السمن، الريف المصري، عام 1934واستعرض جامع التراث أبرز قطعة في مجموعته الخاصة، مؤكدًا أن قيمتها لا تكمن في الفخامة أو الإتقان الأكاديمي المعقد، بل في بساطتها وروحها الإنسانية، وهي جرة فخارية عادية حرص صانعها على تزيينها بأكاسيد ومواد طبيعية بزخارف تبدو وكأن طفلًا رسمها بعفوية وبراءة، مما يعكس حسه الفني الفطري ورغبته في إضفاء لمسته الخاصة على أدواته اليومية.ويؤكد قاسم أن الفخار ارتبط بالحضارة المصرية القديمة ارتباطًا وثيقًا لأنه كان جزءًا من الحياة اليومية، إذ استخدمه المصري القديم في حفظ الماء والحبوب والزيوت والطعام والطهي، وفي الأسواق والتجارة، وفي الطقوس الدينية والجنائزية، بدأت الصناعة بطريقة بدائية قبل اختراع الدولاب، برصّ خيوط من الطين فوق بعضها من الصغير للكبير ثم العودة للصغير قبل حرقها، ومع اختراع الدولاب الدوار أصبح الإنتاج أسرع وأسهل. ومع انتشار الصناعة بين الجميع، دخل عنصر التنافس، فحرص الصناع على تمييز الشكل والزخرفة واللون، وفي العصور المتأخرة أُضيفت طبقة “الجليز” ليتحول الفخار إلى خزف، ولا تزال رموز مصرية قديمة مثل زهرة اللوتس وعين حورس والجعران حاضرة على الأواني الفخارية عالميًا حتى اليوم، ما يؤكد ريادة مصر في هذا الفن.
img
٢ إناء فخاري كنسي لحفظ الزيت المبارك وتوزيعه على المصلين، عليه نحت بارز لمريم العذراء بطول 5 سم، العصر البيزنطييحدد الباحثون عمر ومكان صناعة القطعة عبر نوع الطينة والطلاء والتشكيل والزخارف وطريقة الحرق، وتختلف الأواني بحسب وظيفتها بين معبد وفلاح ومقبرة وقصر في الشكل والحجم والدقة، فجدران جرة المياه السميكة تعكس الاستخدام اليومي الشاق، بينما تدل الجدران الرقيقة على قيمة فنية أو استخدام خاص، وتكشف أواني العطور عن حياة نساء الطبقات الميسورة، بينما تفصح قطع المقابر عن مكانة صاحبها ومعتقداته.
img
إناء فخاري شعبي بسيط من الفن القبطيوكانت “الشقف” (قطع الفخار المحروقة) بمثابة “ورق الكتابة” عند المصري القديم، يدوّن عليها أسماء الملوك والأحداث والخرائط، وتمنح علماء الآثار معلومات نادرة قد تغير فهم حقبة تاريخية كاملة، أما التمييز بين القطع الأصلية والمقلَّدة فيعتمد على منهجين: الخبرة الأثرية القائمة على فحص الطينة والتآكل ومطابقة الزخارف مع العصر، والفحص التكنولوجي كالكربون المشع، والدمج بينهما هو الأدق.
img
إبريق فخاري للوضوءواختتم قاسم بأن الفخار سجلات مادية صمدت آلاف السنين أمام الرطوبة والحرارة، بعكس البردي، فقدمت للعلماء صورة لا تقدر بثمن عن المعيشة والغذاء والتجارة وتطور الذوق الفني عبر العصور.

 

الذاكرة الأكاديمية للحرفة.. كيف تتبعت الدراسات العلمية رحلة الفخار المصري عبر العصور؟

تشير دراسة للباحثة هند محمد طلعت (بالاشتراك مع د. حسين محمد علي) إلى أن عصر ما قبل الأسرات كان العصر الذهبي لصناعة الفخار المصري، بإنتاج أوانٍ حمراء ذات حواف سوداء مزخرفة بعناصر نباتية وحيوانية وهندسية، ما جعلها مرجعًا أساسيًا لعلماء الآثار في تأريخ المواقع. 

عبر العصور المختلفة:

عصر الأسرات: استمر التطور لكن دون بلوغ مستوى ما قبل الأسرات، وظهر اللون الأزرق في الأسرة الثامنة عشرة نتيجة التأثر بحضارات شرق المتوسط.العصرين اليوناني والروماني: شهدا ذروة تكنولوجيا التزجيج، بإنتاج أوانٍ مزججة بطلاء أزرق شفاف باستخدام رمال الكوارتز وملح النطرون.العصر القبطي: اتسم بالبساطة والوظيفية، واقتصر على أدوات كالمسارج.العصر الإسلامي: استعادت الصناعة ازدهارها بزخارف نباتية وتأثر بالخزف الصيني، وابتكر الخزاف المسلم إضافة القصدير للطلاء الزجاجي لإنتاج اللون الأبيض المعتم.

img
أواني فخارية متعددة الاستخدام

التبادل التجاري والحضاري (دراسة د. بشرى عناد محمد حسن، جامعة بغداد):

تأثرت الصناعة بالتجارة مع الشرق الأدنى القديم، فاستوردت مصر النبيذ والزيوت من فينيقيا، وتبنّى المصريون طرازًا فلسطينيًا من الأواني الوردية ذات المقبضين، بينما امتد التأثير المصري خارجيًا (أواني برمز الإلهة “واجيت” في فلسطين) لعبت الأمفورات دورًا محوريًا في نقل الزيوت والنبيذ والبخور، كما تُظهر مقبرة الوزير رخميرع مشاهد تفريغ سفن أجنبية، ويدعم ذلك اكتشاف سفينة غارقة قبالة تركيا تحمل ختمًا باسم الملكة نفرتيتي. المواد والتقنية:اعتمد المصريون على نوعين من الطين: طمي النيل (مرن وغني بالمعادن) وطين الطفلة (بالقاهرة والواحات)، مع إضافة الرمل والحجر الجيري والكاولين وأكسيد النحاس لتحسين الجودة، مرت الصناعة بمراحل: تنظيف الطين، تخميره، عجنه بالأقدام، التشكيل (يدويًا أو بدولاب الفخار)، التجفيف، الصقل والتزيين، ثم الحرق، وشكّل تطور دولاب الفخار (من اليدوي إلى المدار بالقدم) نقلة في دقة وسرعة الإنتاج.لم تكن الزخارف جمالية فقط، بل حملت معاني دينية واجتماعية، وارتبطت الألوان (أحمر، أبيض، أسود، أزرق، أصفر) برموز عقائدية، وأحيانًا حملت الأواني أسماء ملوك أو أصحابها، استُخدم الفخار في حفظ المياه والحبوب والزيوت، والطقوس الدينية والجنائزية، وصناعة المباخر إذ ارتبط شكل كل إناء وحجمه بوظيفته المحددة. بين طمي النيل ومستقبل الإنسان.. هل يكتمل الحلم؟بعد كل هذا الإرث الممتد لسبعة آلاف عام، يبقى التساؤل الملح: هل ينال صناع هذا التراث رعاية مستدامة تحميهم من غدر الأيام؟ صياغة المستقبل تتطلب مظلة واحدة تحمي الصانع وتضمن استمرارية الحرفة.. فهل تشهد صناعتنا عصرها الذهبي الجديد، أم تظل المهنة العظيمة «تُستر وما تُغنيش»؟

img
مزهرية من الفخار
img
أبليك إضاءة من الفخار

زيارة مصدر الخبر