“يا ابني.. مهنة الفخار تُستر وما تُغنيش” بهذه الوصية المتوارثة بين أجيال الفواخير، يستهل محمد موسى أحد صناع الفخار بقرية الفواخير بقطاع مصر القديمة بالفسطاط حديثه لـ”الدستور” ليرسم صورة واقعية لحرفة شكلت الوعي الحضاري لمصر على مدار 7000 عام، ويكشف موسى عن الفجوة الحالية بين التطوير العمراني للأحجار، وغياب الأمان الاجتماعي للإنسان الذي يحرك الطين بأطراف أصابعه.

الحدود الدنيا للمرحلة الثانية وظهور نتيجة تنسيق المرحلة الأولى.. متحدث التعليم العالي يوضح
أنا من قرية الفواخير بالفسطاط في دائرة مصر القديمة، أكثر ما كان يتردد على لسان والدي وهو شيخ الصنعة وأساسها بالنسبة لي أن هذه الحرفة ذات تاريخ عريق غرسناه أبًا عن جد، كانت في بدايتها حرفة بدائية تنتج قطعًا بسيطة كالقلل والأزيرة، ومع مرور الأيام تطورت الصناعة وبدأنا في إنتاج المجات، والطواجن، والمزهريات، والقطع المتعلقة بالديكور والإضاءات كالأباليك والأبجورات ومستلزمات القرى السياحية، بينما أصبحت المنتجات التقليدية كالزير والقلة أقرب إلى التراث وأوشكت على الاندثار، حتى صرنا نستوردها من محافظات أخرى كالمنوفية والغربية عند الحاجة.




لغة الأرقام: الفخار في سوق العالم
صادرات مصر من منتجات الخزف خلال الفترة (2021 – 2025)

الإجمالي العالمي للصادرات:
سجلت صادرات مصر من منتجات الخزف نحو 40.1 مليون دولار في عام 2021، قبل أن تشهد تراجعًا متتاليًا لتصل إلى 35 مليون دولار في 2022، ثم 29.9 مليون دولار في 2023، لتهبط إلى 27.3 مليون دولار في 2024. وفي عام 2025، استقرت الصادرات نسبيًا عند 27.8 مليون دولار، في إشارة إلى توقف الانحدار المستمر منذ أربع سنوات.
الصادرات حسب أبرز الدول المستوردة:
ليبيا: تراجعت الصادرات إليها من 8.7 مليون دولار في 2021 إلى 3.4 مليون دولار فقط في 2025، في انخفاض حاد يتجاوز 61%.الأردن: انخفضت من 5.5 مليون دولار في 2021 إلى 1.2 مليون دولار في 2025.ألمانيا: تراوحت بين 5.2 مليون دولار في 2021 و4.3 مليون دولار في 2025، مسجلة أكثر استقرار نسبي بين الأسواق الرئيسية.المملكة المتحدة: حافظت على مستوى شبه ثابت، من 2.6 مليون دولار في 2021 إلى 2.3 مليون دولار في 2025.السعودية: تراجعت من 2.3 مليون دولار في 2021 إلى 854 ألف دولار في 2025. ترتيب أكبر مستوردي الخزف المصري خلال 2025:تصدّرت ألمانيا قائمة الدول المستوردة للخزف المصري بقيمة 4.3 مليون دولار، تلتها ليبيا بـ3.4 مليون دولار، ثم المملكة المتحدة بـ2.3 مليون دولار، فـإيطاليا بـ1.6 مليون دولار، وأخيرًا فرنسا بـ1.5 مليون دولار.

الإجمالي العالمي للواردات:
بلغت واردات مصر من الخزف نحو 16.7 مليون دولار في عام 2021، ثم ارتفعت إلى 18.6 مليون دولار في 2022 لتسجل أعلى مستوياتها خلال الفترة، قبل أن تتراجع قليلًا إلى 17.4 مليون دولار في 2023، ثم ترتفع مجددًا إلى 18.3 مليون دولار في 2024، لتستقر عند 18 مليون دولار في 2025.
الواردات حسب أبرز الدول الموردة:
الصين: ارتفعت من 4.5 مليون دولار في 2021 إلى 6.4 مليون دولار في 2022، ثم استقرت في حدود 5.1 مليون دولار بحلول 2025.الهند: تراوحت بين 2 مليون دولار في 2021 و2.1 مليون دولار في 2025، مع ذروة بلغت 2.8 مليون دولار في 2024.إسبانيا: تذبذبت بين 2.1 مليون دولار في 2021 و2 مليون دولار في 2025.السعودية: شهدت أكبر قفزة نسبية بين جميع الدول، من 2100 دولار فقط في 2021 إلى 1.13 مليون دولار في 2025.ألمانيا: تراجعت من 1.4 مليون دولار في 2021 إلى 1.1 مليون دولار في 2025.

ترتيب أكبر موردي الخزف لمصر خلال 2025:
تصدّرت الصين قائمة الدول الموردة للخزف بفارق كبير عن باقي الدول، بقيمة 5.1 مليون دولار، تلتها الهند بـ2.07 مليون دولار، ثم إسبانيا بـ2 مليون دولار، فـالسعودية بـ1.13 مليون دولار، وأخيرًا ألمانيا بـ1.1 مليون دولار.

تشتت المؤسسات وتطوير الفواخير.. قراءة في الوعي الحضاري للفخار وتحديث المكان.
“هذه الصناعة وزعت دماؤها على أكثر من جهة ووزارة” بهذه الكلمات يضع يقول الدكتور مسعود شومان رئيس اللجنة الاستشارية لأطلس المأثورات الشعبية يديه على الجذور العميقة للأزمة والمخاطر الكبيرة التي تهدد صناعة الفخار اليوم، يلخص بعضها في عدد من النقاط، لعل أهمها عدم وجود مظلة مؤسسية واحدة ترسم استراتيجية لهذه الصناعة التي توزعت دماؤها على أكثر من جهة ووزارة.









الذاكرة الأكاديمية للحرفة.. كيف تتبعت الدراسات العلمية رحلة الفخار المصري عبر العصور؟
تشير دراسة للباحثة هند محمد طلعت (بالاشتراك مع د. حسين محمد علي) إلى أن عصر ما قبل الأسرات كان العصر الذهبي لصناعة الفخار المصري، بإنتاج أوانٍ حمراء ذات حواف سوداء مزخرفة بعناصر نباتية وحيوانية وهندسية، ما جعلها مرجعًا أساسيًا لعلماء الآثار في تأريخ المواقع.
عبر العصور المختلفة:
عصر الأسرات: استمر التطور لكن دون بلوغ مستوى ما قبل الأسرات، وظهر اللون الأزرق في الأسرة الثامنة عشرة نتيجة التأثر بحضارات شرق المتوسط.العصرين اليوناني والروماني: شهدا ذروة تكنولوجيا التزجيج، بإنتاج أوانٍ مزججة بطلاء أزرق شفاف باستخدام رمال الكوارتز وملح النطرون.العصر القبطي: اتسم بالبساطة والوظيفية، واقتصر على أدوات كالمسارج.العصر الإسلامي: استعادت الصناعة ازدهارها بزخارف نباتية وتأثر بالخزف الصيني، وابتكر الخزاف المسلم إضافة القصدير للطلاء الزجاجي لإنتاج اللون الأبيض المعتم.

التبادل التجاري والحضاري (دراسة د. بشرى عناد محمد حسن، جامعة بغداد):
تأثرت الصناعة بالتجارة مع الشرق الأدنى القديم، فاستوردت مصر النبيذ والزيوت من فينيقيا، وتبنّى المصريون طرازًا فلسطينيًا من الأواني الوردية ذات المقبضين، بينما امتد التأثير المصري خارجيًا (أواني برمز الإلهة “واجيت” في فلسطين) لعبت الأمفورات دورًا محوريًا في نقل الزيوت والنبيذ والبخور، كما تُظهر مقبرة الوزير رخميرع مشاهد تفريغ سفن أجنبية، ويدعم ذلك اكتشاف سفينة غارقة قبالة تركيا تحمل ختمًا باسم الملكة نفرتيتي. المواد والتقنية:اعتمد المصريون على نوعين من الطين: طمي النيل (مرن وغني بالمعادن) وطين الطفلة (بالقاهرة والواحات)، مع إضافة الرمل والحجر الجيري والكاولين وأكسيد النحاس لتحسين الجودة، مرت الصناعة بمراحل: تنظيف الطين، تخميره، عجنه بالأقدام، التشكيل (يدويًا أو بدولاب الفخار)، التجفيف، الصقل والتزيين، ثم الحرق، وشكّل تطور دولاب الفخار (من اليدوي إلى المدار بالقدم) نقلة في دقة وسرعة الإنتاج.لم تكن الزخارف جمالية فقط، بل حملت معاني دينية واجتماعية، وارتبطت الألوان (أحمر، أبيض، أسود، أزرق، أصفر) برموز عقائدية، وأحيانًا حملت الأواني أسماء ملوك أو أصحابها، استُخدم الفخار في حفظ المياه والحبوب والزيوت، والطقوس الدينية والجنائزية، وصناعة المباخر إذ ارتبط شكل كل إناء وحجمه بوظيفته المحددة. بين طمي النيل ومستقبل الإنسان.. هل يكتمل الحلم؟بعد كل هذا الإرث الممتد لسبعة آلاف عام، يبقى التساؤل الملح: هل ينال صناع هذا التراث رعاية مستدامة تحميهم من غدر الأيام؟ صياغة المستقبل تتطلب مظلة واحدة تحمي الصانع وتضمن استمرارية الحرفة.. فهل تشهد صناعتنا عصرها الذهبي الجديد، أم تظل المهنة العظيمة «تُستر وما تُغنيش»؟

