ولد الفنان حسين بيكار في 2 يناير 1913 بالإسكندرية، المدينة التي صاغت حساسيته الأولى تجاه الضوء واللون والبحر، وتخرج في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة، قبل أن يبدأ مسارًا مهنيًا متنوعًا، عمل خلاله رسامًا ومصممًا ومعلّمًا وكاتبًا صحفيًا، واضعًا الفن في صميم الحياة اليومية، لا في برج نخبوي معزول.
يقول الكاتب الراحل محمد جبريل عن بيكار في كتابه “أهل البحر”: وُلد في الثاني من يناير عام 1913، في بيت يُطِل على ميدان الخمسة فوانيس، يقابله جامع علي تمراز، تلقَّى دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس بحري لم يكن يستطيع رؤية البحر من نافذة البيت، لكنه كان يشم رائحة البحر، ويستمع إلى هدير الموج، واصطدامه بالكورنيش الحجري. وكان يؤنسه — في الليل — أهازيج السحر، ورفع الأذان، وصياح الديكة من الأسطح القريبة.
كان يُطيل الوقوف أمام دكان البراويز في شارع فرنسا، يتساءل، بينه وبين نفسه، كيف تنتقل الطبيعة والأشخاص إلى لوحات القماش والورق، وإلى ألوان زيتية ومائية، وقص ولصق، وتكوينات.
صادق عازف عود في فرقة حمامة العطار، جلس إليه أمام دكان طلبة القواص، تاجر الموبيليا بشارع فرنسا، تعلَّم منه المقامات والأنغام والإيقاعات.
كان أبوه قد دعا الرجل إلى بيته، لتعليم ابنته — شقيقة حسين — عزْفَ العود.
قال له حجازي أيوب: لماذا لا تحاول دراسة الفن على أصوله؟
قال بيكار: أنا أقرأ كل ما يصادفني من كتب الفن.
أعاد حجازي أيوب القول: لماذا لا تدرس الفن على أصوله؟
أطال النظر إليه، كأنه يتأكد من فهمه لما طلبه منه: عندك مدرسة الفنون الجميلة. التحق بها، سافر — وهو في الخامسة عشرة 1928م — إلى القاهرة. التحق بمدرسة الفنون الجميلة العليا في أول إنشائها. كان ترتيبه الأول على أولى دفعاتها.
تصور أن ترتيبه المتقدم سيتيح له حضور حفلات دار الأوبرا، كانت المدرسة تُعطي للمتفوقين تذاكر لدخول الأوبرا، مشروطة بأن يرتديَ الطالب بدلة ردنجوت سوداء (هي البدلة نفسها التي كان يرتديها أبناء الطبقة الأرستقراطية والرسميون في المناسبات السياسية والاجتماعية).
لم يكن يمتلك — والتعبير له — سوى بدلة مهترئة. ظل محرومًا من دخول الحفلات، حتى تبدَّل تقليد دخول الأوبرا بالردنجوت عمل، بعد تخرُّجه، مدرِّسًا. تنقَّل بين العديد من المدارس في أقاليم مصر، ثم سافر ١٩٣٨م إلى المغرب، أستاذًا للتربية الفنية بالمعهد الخليفي في تطوان، عاد ، بعد أربعة أعوام ، ومعه وسام “الاعتزاز” من الحكومة الخليفية.
عمل في كلية الفنون الجميلة، أستاذًا لفن الرسم، وفن التصوير الذاتي، وصل إلى منصب رئيس قسم التصوير، ثم استقال في عام ١٩٥٩م من عمله، وتفرَّغ — محررًا وناقدًا فنيًّا ورسامًا — في دار “أخبار اليوم”.شهد الرسم الصحفي، بلوحاته، تطورًا لافتًا، بالذات في مجال صحافة الأطفال، وفي الرسوم التوضيحية للكتب. رسم 80 لوحة لفيلم “أبو سنبل” الذي أخرجه الكندي جون فيني، عكست اللوحات تاريخ المعبد عبر آلاف السنين، حتى عمليات إنقاذه، ورفعه إلى مستوى بحيرة ناصر.
أساتذة بيكار
يعد أهم تلاميذ الفنان الرائد أحمد صبري ١٨٨٩–١٩٥٥م. “ورثتُ فنَّ البورتريه عن أستاذي الفنان أحمد صبري، فهو أفضل مَن رسم البورتريه في مصر. كان أستاذي وصديقي، وأنا مدين له بالكثير، وهو فنٌّ له أبعاد لا يُدركها الكثير من الناس، وما يحدث هو أنني أغوص في الشخصية التي أرسمها، وأقبض على الشخصية الحقيقية لصاحب البورتريه. وفلسفة البورتريه أنه مثل حياة كاملة لصاحبه، فهو ماضيه وحاضره ومستقبله، وقد أحببته لهذا السبب.”
ظل أثر فن أحمد صبري واضحًا على لوحات بيكار — لفترة طويلة — قبل أن يُفلح في الغناء بصوته الخاص، يعتز بلوحة عازف العود، صوره فيها أستاذه أحمد صبري وهو منحنٍ عازفًا على عوده. كان صبري يمتلك صوتًا جميلًا، وحاسة غنائية موهوبة. وكان بيكار يمتلك الإحساس الموسيقي، ويُجيد العزف على العود والطنبور وآلة البزق.
أحب — في صباه — صوتَ ماهر الصاوي. استمع إليه في مولد أبي العباس، وفي سوق العيد بميدان الخمسة فوانيس، والساحات الخالية المتناثرة في بحري. صوت ماهر المنطلق ساعده على الأداء. أجاد في غناء الموال:
يا تاجر الصبر … عندكشي تبيع منه
قال لي ما ينفعش واعلم ياجدع إنه
صعب المنال، يريده كتير، خف القدم عنه
كانت ذاكرته تستعيد — وهو يعزف على العود — أغنيات ماهر الصاوي ومواويله. يثق أنها كانت المدخل لدنيا الغناء التي أحبها.
مجمل أعماله لا يقتصر على الفن التشكيلي. الموسيقى وجه آخر. أجاد الرسم، والعزف الموسيقي، والغناء، وكتب قصائد زجلية، نبضها سذاجة في الكلمات والمعنى.
استهوَته العلاقة بين الألوان والموسيقى. يُجيد الإنصات لموسيقى بيتهوفن وباخ وموزار وفيفالدي وفردي وبورودين ورمسكي-كورساكوف. مشاعر التلقي نفسها، يعيشها بسماع الطقاطيق والتواحيش والابتهالات والأدوار والبشارف والسماعيات. يُدير الفونوغراف على أسطوانات كامل الخلعي وسيد درويش وداود حسني. “كنت موسيقيًّا ومغنيًا جيدًا. أغنِّي في الإذاعة، وفي حفلات معهد الموسيقى، وكنت على وشك أن أكون موسيقيًّا محترفًا. وقد أحببت جملة آلات مثل العود والبزق والطنبور والبيانو والكمنجة”.
انضم ، بتأثير حبِّه للموسيقى، إلى فرقة عبد الرحيم محمد. هو المطرب وعازف العود والطنبور. قدمت الفرقة العديد من الحفلات في معهد الموسيقى الشرقية، وفي محطات الإذاعة الأهلية. غنَّى مع الفرقة محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وصالح عبد الحي وآخرين.
بدأ ميالًا للتجريد، ثم أهمل محاولاته. لجأ إلى التبسيط، وتعديل النسب، واختصار التفاصيل. أضفي على الأشكال المختزلة مزيجًا من الصوفية والميتافيزيقا والرمز. بدا كأنه استقر على شخصيته الفنية. أضاف إليها ملامح الواقع، متناغمًا مع التشكيل واللون. الفن صدى، انعكاس، للواقع «إذا لم تطابق الصورة الأصل، فلا بد أن المرآة غير سليمة. الفن الحقيقي مرآة المبدع، إفراز طبيعي لتفاعل الفنان مع بيئته».
اختلطت تأثيراته بفن الفراعنة والفن الياباني، الصراحة والوضوح والقوة في الخطوط الفرعونية، والرومانسية والرقة في خطوط اليابان.
لم يُخفِ استياءَه من إقبال بعض عديمي الموهبة على التجريد. حسبوا أنه لا يحتاج إلى موهبة حقيقية، ولا إلى خبرة، ولا إلى رسالة يبشر بها. صار التقليد في أعمالهم مجرد تشويه لأسطح اللوحات.
حديث عن “التجريدية الجيولوجية”
قال لنظرة التساؤل في عينَي سعيد العدوي: هي تجريدية، لا تنتمي إلى ما اعتادَته العين المتطلعة إلى ظواهر الأشياء، بل إنها صعود إلى مراتب أعلى من الرقيِّ، مثلما فعل الفراعنة، ورهبان الأقباط، ومتصوفة المسلمين، فاكتسبوا احترام الدنيا.
صار له اتجاه — تحول إلى مدرسة — في فن البورتريه، مفرداتها: العقل، وجمال الملامح، واختصار التفاصيل عَمِل في تدريس الفن أعوامًا طويلة، وتفرَّغ للصحافة في ١٩٥٩م. تعددت إسهاماته في مجالات الفن التشكيلي والسينما التسجيلية والصحافة ويعتز بأنه رسم أول غلاف لكتاب مصري. تضاعف اعتزازه بأن الكتاب هو أيام طه حسين، بدأ — من يومها — انحسار الأغلفة المصنوعة التي يعدها — كيفما اتفق — محال زنكوغراف الأرمن في شارع محمد علي.
تتلمذ عليه عددٌ كبير من فناني الأجيال التالية: مصطفى حسين، صلاح بيصار، عدلي رزق الله، إيهاب شاكر، ناجي شاكر، يوسف فرنسيس، محيي اللباد، بهجت عثمان، وعشرات غيرهم.
لم يقتصر دوره — كناقد — على مناقشة المعارض. عرض للاتجاهات والآراء، وتبنَّى اتجاهات فنية مختلفة، متباينة. رفض النسخ والتقليد، ودعا إلى الخصوصية والتفرد. قدَّم مواهب لافتة.
تحددت ملاحظاته في الانطباعية. رفض الأحكام النقدية الصارمة، القاسية أحيانًا. حاول أن يستوعب كل ما شاهده، من خلال أستاذية واعية متابعة لكل الاتجاهات والتيارات.
قال بيكار: التمرد على القديم ضرورة طبيعية، لأنه رفض للتوقف والجمود الذي يتنافى مع سنَّة الحياة والتطور. رفضُ القديم لا يعني رفضَ مقومات الحياة. إنما هو رفض لشكل الحياة. لذا كانت مشكلة إنسان العصر هي البحث عن شكل جديد ليتناسب مع حجمه وزمانه. حياة الفنان ما هي إلا صفحة رائعة، تتميز بحساسيتها الشديدة تجاه المؤثرات الخارجية، تنطبع عليها أو تُثيرها، وتُخرجها من سلبياتها لتشارك الوجود تقلباته وتغيراته. وقال: القضية ليست نزول الفنان إلى مستوى الجماهير، ولا صعود الجمهور إلى مستوى الفنان. إنها قضية سد الثغرات الثقافية على قدر أحجامها. لا ينبغي أن نُفاضل بين الثلاجة والزير، ولا بين الكستور والموهير، ولا بين السيارة الكاديلاك والأوتوبيس. إنما ينبغي أن نوفر للمواطن مكانًا يجلس عليه في الأوتوبيس النظيف المنتظم، ولا نضطره للتشعلق فوق السلم، وأن نوفر له الكستور الجيد، فلا يضطر لشرائه من السوق السوداء، أو نُلقي به في يد المزيفين الذين يبيعون الخيش على أنه كستور. وقال: حقل الثقافة والفن عندنا خالٍ — على الساحة الشعبية — من أي مورد يَرِد إليه الشعب لإرواء ظمأ عقله وقلبه. المعارض تفتح وتُغلق أبوابها دون أن يرتادها جمهور يُذكر. الفنان هو المنتج، وهو المستهلك أيضًا. بضاعته ترتدُّ إليه، فيُعلن إفلاسه وهو يلعن الجمهور، وجهل الجمهور. وبقليل من التدبر نُدرك أن الخطأ خطأ الفنان الذي يتعالى على الجمهور، ويُخاطبه من ارتفاع شاهق، فلا يصل إليه صوته. إنه يبيع الناس بضاعة لا تلزمهم. يعرض عليهم الحرير الفاخر، وليس في حقيبتهم إلا ما يكفي ثمن رداء من الدمُّور. وقال: أفضِّل أن أكون فدانًا من الأرض مزروعًا بالعديد من الخضر والبقول والفواكه، وأُطعم الملايين، من أن أكون نخلةً تخترق السماء، ولا تحمل في نهايتها سوى سباطة من التمر، لا يكفي إلا لتحلية أفواه عدد قليل من الناس.
كان — إذا ضاق بزحام القاهرة — يستقل القطار إلى الإسكندرية. يرفض ركوب حنطور أو سيارة. يمضي — على قدميه — من ميدان المحطة عبر شوارع السنترال وشريف وفرنسا ورأس التين.
إحدى لوحات بيكار