ثقافة, جريدة الدستور 2 يناير، 2026

العودة إلى مصر، أحدث ترجمات الكاتب المترجم، أحمد صلاح الدين، والتي يشارك من خلالها في فعاليات الدورة 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، ضمن إصدارات دار آفاق للنشر بالمعرض.والرواية تأليف فلاديمير شاروف (1952–2018) يُعَدّ من أعظم الكُتّاب في الأدب الروسي المعاصر، ووارثًا روحانيًّا لـ دوستويفسكي وجوجول، له صوت أدبي فريد لا يُشبه سواه. مؤرِّخ في التكوين، وساردٌ ميتافيزيقي في الجوهر، صاغ شاروف رواياتٍ تمتزج فيها الذاكرة بالأسطورة، والإيمان بالتاريخ، ضمن بنيات سردية رؤيوية ذات طاقة روحية نادرة. تعد تحفته “العودة إلى مصر” التي توَّجت بجائزتَي البوكر الروسية والكتاب الكبير، هي تأمُّلٌ جَسور في النفي والخلاص، وفي المعنى المتوارَث عبر الأجيال. إنّ أعمال شاروف لا تزال تُحدِث صدىً عميقًا، إذ تدعو قارئها إلى عالمٍ ينبض فيه الماضي، وتغدو فيه الرواية نصًّا مقدَّسًا يعيد كتابة الروح والتاريخ معًا.

أحمد صلاح الدين يكشف ما وراء الذاكرة والتأملات الفلسفية

وفي تصريحات خاصة لـ”الدستور” كشف صلاح الدين عن ملامح ترجمته الأحدث، مشيرًا إلى: “حين وقعت عيناي لأول مرة على عنوان الرواية “العودة إلى مصر”، تسللت إلى وجداني رعشة غامضة، كما لو أنني أقف قبالة لافتة قديمة كُتب عليها: “اقترب!”، يصحبها نداء مجهول المصدر يوقظ في النفس صدى عتيقًا ينهض من أغوار الذاكرة. كان العنوان وحده كفيلًا بإثارة طوفان من الأسئلة: من العائد؟ ولماذا مصر؟ أهي العودة اعترافًا ضمنيًا بفشل الرحيل، أم أنها ضرورة وجودية لاكتشاف المعنى الكامن في الجذور؟ أهي عودة الخلاص؟ أم مجرد وقفة تأملية على حافة التاريخ؟ أم أنها، ببساطة، السؤال الوجودي في أصفى تجلياته؟

أحمد صلاح الدين: “العودة إلى مصر” رسائل متبادلة بين أجيال

واستدرك: لم أكن قد قرأت من الرواية سطرًا، لكن ما اطلعت عليه من مراجعات ونصوص نقدية فتح أمامي بوابة من الدهشة والغواية الفكرية. إن رواية “العودة إلى مصر” ليست مجرد سرد تقليدي، بل هي رسائل متبادلة بين أجيال من عائلة نيكولاي فاسيلييفيتش جوجول، يعيد من خلالها شاروف رسم خارطة الذاكرة الروسية بعدسة تأملية فلسفية وروحية، مستحضرًا مشروع جوجول الذي وأده بنفسه حين أحرق الجزء الثاني من رواية “الأنفس الميتة”.وأوضح: الرواية تُغريك لا بقراءتها فقط، بل بالتورط في أسئلتها، حتى تغدو أنت نفسك خيطًا من نسيجها السردي. ومع قراءتي للصفحات الأولى، أيقنت أن هذه الرواية كُتبت لي، وأنها مغامرتي القادمة التي تنتظرني، بكل ما تنطوي عليه من تحديات لغوية وجمالية ومعرفية. لم تعد الترجمة مجرد خيار، بل أصبحت نداء داخليًا. وجدتني مندفعًا نحو مشروع يتجاوز الترجمة بوصفها نقلًا لغويًا، إلى الترجمة كفعل تأملي إبداعي، في مرحلة من مسيرتي يمكنني أن أصفها بـ”المواطنة الثقافية”، حيث تجاوزت عوائق اللغة والحساسية الثقافية التي كانت، في الماضي، تحجب عني صوت النص الأصلي وتُشعرني بالاغتراب، أما الآن فقد باتت لديّ مفاتيح الإنصات والفهم، بل والعبور إلى الضفة الأخرى بثقة.

أحمد صلاح الدين: “العودة إلى مصر”.. رواية كُتبت لي (خاص)

أحمد صلاح الدين: العودة إلى مصر إضافة نادرة إلى المكتبة العربية

وشدد صلاح الدين علي: قررت أن أترجم هذا العمل وأقدّمه إلى القارئ العربي، إيمانًا بأنه إضافة نادرة إلى المكتبة العربية. وقد ازداد تعلقي بالنص كلما تعمقت في عالم شاروف الروائي الفريد، فرأيته في مخيلتي أشبه براهب متبتل في دير عتيق، لا يصرخ بالدعوة ولا يفرض وصايا، بل يمدّ يده بهدوء لمن ضلّوا الطريق وهم في حاجة إلى دليل يرشدهم إلى النور. في كتاباته تعاطف وشفقة عميقة حيال عناء البشر ومصائرهم، وحكمة العارفين الذين ذاقوا مرارة التجربة وبلغوا سكينة الواصلين ورضا أهل البصيرة، في سرد شاعري مرهف يقف عند حافة السماء. لم أقرأه على أنه مجرد كاتب، بل رأيته حكيمًا يُصغي إلى الروح وهي تبحث عن معنى.ولفت إلى: امتد العمل على هذه الترجمة لما يقارب خمس سنوات، بفعل ظروف قاهرة، من تحديات صحية وأمور أخرى قلّما تجمعها فترة زمنية واحدة حالت دون الاستمرار المنتظم، لكن المشروع ظل حيًا في روحي، لا بوصفه واجبًا مهنيًا، بل عهد شخصي قطعته على نفسي لأجل إتمام ترجمة النص. كنت أعود إليه كلما سنحت لي الفرصة، مُودعًا فيه خلاصة تجربتي بما راكمته من معرفة ووعي وبصيرة بمسالك الترجمة الأدبية، وما اختزنته من دراية بعلوم الأدب ودهاليز اللغة.لم أتعامل مع النص بوصفه مادة جامدة، بل كائن حيّ، يستوجب الإنصات لا الترجمة، والفهم لا النسخ. إن رواية “العودة إلى مصر” ليست رواية بالمعنى التقليدي؛ إنها سردية معقّدة تتقاطع فيها الأزمنة، وتتشابك فيها المصائر، وتُقال فيها الحقائق من وراء ستار من الرموز والإشارات. رواية تُقرأ كما يُقرأ النص المقدس: لا من أجل الوصول إلى خاتمة، بل من أجل الوقوف على المعنى الكامن في كل كلمة، وفي كل لحظة صمت.واختتم مؤكدًا على: وأنا أقدم هذا العمل إلى القارئ العربي، لا أزعم أنني بلغت به الكمال أو أدركت غاياته كلها، فمثل هذه النصوص تبقى دومًا أوسع من أي جسر لغوي، وأعمق من أن تُحتوى في حيلة بلاغية أو براعة أسلوب. لكنني حاولت أن أكون أمينًا لما شعرت به كل مرة عدت فيها إلى هذا النص: رهبة، وخشوع، وأمل بأن هناك دائمًا ما يستحق أن يُقال ـ حتى في ذروة الصمت.

أحمد صلاح الدين.. سيرة ومسيرة

أحمد صلاح الدين كاتب ومترجم أدبي وباحث أكاديمي مصري. تخرج من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة عين شمس، وحصل على ماجستير في علوم اللسانيات من جامعة ليف تولستوي بروسيا الاتحادية، ويستعد حاليًا للدفاع عن أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في الأدب الروسي المعاصر من معهد جوركي للأدب بموسكو. تجلّت إسهامات أحمد صلاح الدين في بناء جسر معرفي حيّ بين الثقافتين العربية والروسية، من خلال مقالاته التي عرّفت القارئ العربي بأهم كتّاب روسيا المعاصرين على مدار سنوات، وأبحاثه الرصينة في مجالي اللسانيات والأدب، فضلًا عن ترجماته الأدبية المرموقة التي وسّعت أفق التلقي العربي للأدب الروسي المعاصر، وأسهمت في تعزيز الحوار الثقافي الخلّاق. من أبرز ترجماته: “صلاة تشرنوبل” لسفيتلانا أليكسييفيتش، و”دون طريق بلا أثر” لدينيس جوتسكو. ومن إنجازاته النظرية البارزة تقديمه لمقاربة جديدة في الترجمة الأدبية أطلق عليها اسم “المُعادِل الجمالي”.

زيارة مصدر الخبر