قال الدكتور صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني (حشد)، إن إسرائيل تمر بمرحلة غير مسبوقة من الأزمات المركبة، سياسيًا وأخلاقيًا واستراتيجيًا، في ظل التحولات التي تعكسها استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي تشير إلى تراجع القدرة الأمريكية على الهيمنة المباشرة، والانتقال إلى إدارة التراجع وإعادة التموضع الإمبراطوري.وأوضح “عبدالعاطي”، في تصريحات لـ”الدستور”، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن يومًا علاقة تبعية مطلقة، ولا خضوعًا قدريًا للوبيات، بل تحالف مصالح غير متكافئ تحكمه المصلحة الأمريكية العليا، ومع تبدل السياق الدولي، تتغير حدود هذا التحالف وحدّة توتره، ويتراجع الهامش الوظيفي لإسرائيل داخل الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط.
أزمة مكانة وأدوار
وأضاف أنه رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، فإن إسرائيل تواجه اليوم أزمة حادة في المكانة والدور، تتجسد في ثلاث دوائر متداخلة؛ أولها أزمة الشرعية الدولية، مع اتساع توصيفها كدولة استعمار استيطاني ونظام فصل عنصري، وتصاعد العزلة والمقاطعة في الرأي العام العالمي، لا سيما بعد جرائم الحرب والإبادة في قطاع غزة، وثانيها أزمة تمثيل يهود العالم، مع تآكل صورة “الملاذ الآمن” وتصدع العلاقة مع قطاعات ليبرالية وتقدمية في الشتات، أما الثالثة فهي أزمة داخلية بنيوية، عنوانها الانقسام المجتمعي وصعود اليمين الديني القومي المتطرف وتقويض استقلال القضاء.ولفت إلى أن تلك العوامل حولت إسرائيل تدريجيًا من رصيد استراتيجي إلى عبء سياسي وأخلاقي واقتصادي متزايد على حلفائها الغربيين.
من الحماية إلى الضبط
ونوه بأن واشنطن لم تعد تكتفي بالدعم غير المشروط، بل انتقلت إلى إدارة وضبط السلوك الإسرائيلي حين بات يهدد صورة ومصالح الولايات المتحدة واستقرار الإقليم وتحالفاتها العربية والإقليمية.وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تمسك عمليًا بمفاتيح ملفات الحرب والتهدئة في غزة، واليوم التالي، وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم، بما يعكس تآكل هامش المناورة الإسرائيلي، خاصة في ظل حكومة يمينية متطرفة أصبحت عبئًا حتى على داعميها التقليديين.
سياسة إدارة الأزمات
وعن موقف الأميركي من القضية الفلسطينية، قال رئيس “حشد” إن واشنطن تمارس سياسة إدارة الأزمات لا حلّها، وتكريس الهيمنة لا احترام قواعد القانون الدولي، وهو ما ظهر في الشراكة العسكرية والسياسية في حرب الإبادة، وتوفير الغطاء لانتهاكات القانون الدولي، والهجوم على منظومة الشرعية الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة، ووكالة الأونروا.
غزة نقطة ارتكاز التحول
وأشار إلى أن غزة أصبحت العقدة المركزية في إعادة تعريف العلاقة الأمريكية الإسرائيلية؛ إذ كشفت محدودية القدرة الإسرائيلية على الحسم، واعتمادها شبه الكامل على الدعم الأميركي، وانتقال مركز القرار من تل أبيب إلى واشنطن، كما استخدمت الولايات المتحدة غزة لإعادة هندسة الإقليم، عبر تحجيم نفوذ خصومها، وإعادة توزيع الأدوار، وربط المسار الفلسطيني بمقاربات أمنية وسياسية أميركية.
جدل داخلي أمريكي
ولفت إلى إلى تحول بنيوي داخل المجتمع الأمريكي، مع تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، خاصة بين الشباب، وتصاعد النقد داخل الحزب الديمقراطي والتيارات التقدمية، وتحول إسرائيل من قضية إجماع حزبي إلى ملف خلاف داخلي، ما يحدّ من قدرتها على التأثير الكامل في القرار الأميركي.
استنتاجات ورسائل
وقال إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي تحالف مصلحة لا عقيدة، وإن إسرائيل تفقد قدرتها على فرض أجندتها على واشنطن، فيما تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الإقليمية بمعزل عن الرؤية الإسرائيلية الضيقة، لافتًا إلى أن غزة شكّلت اختبارًا لاستقلال القرار الإسرائيلي وقد فشلت فيه.فلسطينيًا، دعا إلى عدم الرهان على الخلافات الأميركية–الإسرائيلية، بل استثمارها سياسيًا وقانونيًا، وتوسيع مسارات المحاسبة الدولية، وإعادة بناء استراتيجية وطنية موحدة. وعربيًا، طالب بالانتقال إلى التفاوض المشروط مع واشنطن، وربط العلاقات بإنهاء الاحتلال لا بإدارة الصراع، ورفض تحويل الإعمار إلى أداة ابتزاز أو تطبيع قسري، وبناء موقف عربي جماعي مستقل وتنويع الشراكات الدولية.ونوه بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة إدارة التراجع، فيما تقف إسرائيل عند مفترق تاريخي إما إعادة تعريف دورها وحدودها الوظيفية، أو التحول إلى عبء متزايد يهدد الأمن الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أن انتزاع المستقبل يتطلب وعيًا استراتيجيًا وعملًا عربيًا مشتركًا ونضالًا فلسطينيًا شاملًا.