يواصل الفنان التشكيلي العراقي وليد حسان معيوف اشتغاله الفني على الذاكرة البغدادية بوصفها محوراً أساسياً في تجربته التشكيلية، مستحضراً تفاصيل المكان ورموزه المعمارية والحضرية، ومحولاً إياها إلى خطاب بصري يتجاوز حدود التوثيق المباشر. وفي هذا السياق، تأتي لوحة «شارع الرشيد» بوصفها قراءة بصرية تستعيد ملامح بغداد من خلال عمارتها الإسلامية المحلية وعناصر حياتها اليومية، ضمن معالجة تشكيلية تجمع بين الحسّ الرمزي والرؤية المعاصرة.
يُعدّ شارع الرشيد واحداً من أبرز الشواهد الحضرية في تاريخ بغداد الحديث، وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجمعية للعراقيين. فهو لم يكن مجرد شارع تجاري أو ممر عمراني، بل فضاءً ثقافياً واجتماعياً عكس تحولات المدينة السياسية والفكرية، واحتضن مظاهر حداثتها الأولى، متجاوراً مع تراثها العميق. ومنذ تأسيسه في مطلع القرن العشرين، شكّل هذا الشارع نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبين المحلي والعالمي، ما جعله رمزاً مكثفاً لبغداد ذاتها.
وانطلاقاً من هذه الرمزية، لم يكن غريباً أن يحضر شارع الرشيد في الفنون البصرية العراقية، ولا سيما في التجارب التشكيلية المعاصرة. وفي لوحة «شارع الرشيد»، لا يُقدَّم المكان بوصفه صورة ثابتة، بل بوصفه ذاكرة حيّة تتداخل فيها العمارة البغدادية المحلية مع التجربة الإنسانية، ومع الوجدان الجمعي الذي ما زال يستعيد هذا الشارع بوصفه علامة على زمن مختلف.
لا يتعامل وليد حسان مع شارع الرشيد من منظور تسجيلي مباشر، بل يعيد بناءه بوصفه فضاءً رمزياً تتراكب فيه الأزمنة والدلالات. فاللوحة لا تنقل مشهداً واقعياً محدداً، بل تعيد تركيب عناصر المكان وفق رؤية ذاتية تنطلق من الذاكرة والخبرة البصرية المتراكمة. وبهذا، يتحول الشارع إلى فضاء ذهني، تتجاور فيه المعالم المعمارية مع رموز الحياة اليومية، في صيغة أقرب إلى الاستدعاء الشعوري منها إلى الوصف الواقعي.
ويمنح هذا الاشتغال على الذاكرة العمل بعداً تأويلياً مفتوحاً، إذ يصبح المتلقي شريكاً في قراءة اللوحة، مستحضراً بدوره مخزونه الشخصي عن بغداد وشارعها الأشهر. وبهذا المعنى، لا تُقدَّم اللوحة بوصفها إجابة بصرية جاهزة، بل كسؤال مفتوح حول معنى المدينة، وحول قدرة الذاكرة على مقاومة التغيّر والنسيان.
تحتل العمارة البغدادية موقعاً مركزياً في تكوين اللوحة، حيث يحرص الفنان على إبراز واجهات المحال القديمة، وتلاصق الأبنية، وضيق الأزقة، وتكرار الأقواس، بوصفها سمات أساسية للهوية العمرانية للمدينة. غير أن هذه العمارة لا تُقدَّم بدقة هندسية صارمة، بل تظهر بمعالجة تعبيرية تركز على الإيقاع البصري والعلاقة بين الكتل والفراغات.
ويمنح تكرار الأقواس وتداخل الواجهات إحساساً بالاستمرارية، وكأن العمارة هنا كائن حيّ يتنفس مع الزمن. كما يعكس هذا التلاصق طبيعة المدينة الإسلامية التقليدية، حيث تتداخل الوظائف الاجتماعية والدينية والتجارية في نسيج عمراني واحد، ما يضفي على العمل بعداً حضارياً يتجاوز حدود المكان.
ومن العناصر اللافتة في اللوحة حضور الكتابات العربية على اللافتات، التي لا تأتي بوصفها تفاصيل ثانوية، بل بوصفها جزءاً أساسياً من البنية التشكيلية. فالخط العربي يتداخل مع العمارة، ويتماهى مع الجدران والواجهات، مؤكداً العلاقة العضوية بين النص والمكان في المدينة البغدادية. ويكشف هذا التوظيف عن وعي جمالي بدور الخط العربي بوصفه عنصراً تشكيلياً وحاملاً للهوية الثقافية في آنٍ واحد.
ولا تقتصر اللوحة على استدعاء العمارة التقليدية، بل تضم مجموعة من الرموز المرتبطة بذاكرة بغداد الحديثة، مثل نصب الحرية، والمقاهي الشعبية، والحافلات الحمراء التي شكّلت جزءاً من المشهد اليومي للعاصمة خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ويأتي حضور هذه العناصر بوصفها علامات دالة على مرحلة تاريخية ارتبطت في الوعي الجمعي بالحراك الثقافي والاستقرار النسبي.
ومن خلال جمع هذه الرموز داخل فضاء بصري واحد، ينجح الفنان في خلق تكثيف زمني، تتجاور فيه حقب مختلفة في مشهد واحد، في إشارة إلى استمرارية الذاكرة رغم الانقطاعات. وهنا تتجلّى قدرة الفن على إعادة بناء التاريخ بصيغة بصرية تتجاوز التسلسل الزمني التقليدي.
أما على مستوى اللون، فتتسم المعالجة اللونية في لوحة «شارع الرشيد» بطابع هادئ ودافئ، يعزّز الإحساس بالزمن المتراكم والذاكرة البعيدة. غير أن هذا الحنين لا يتحول إلى نوستالجيا ساذجة، بل يبقى حنيناً واعياً، يوازن بين استحضار الماضي والنظر إليه من زاوية معاصرة. فاللون هنا لا يزيّن المشهد بقدر ما يكشف طبقاته الزمنية ويمنحه عمقاً شعورياً.
ومن خلال هذا الاشتغال على المكان والذاكرة، يطرح وليد حسان معيوف إشكالية الأصالة والحداثة بوصفها سؤالاً مركزياً في الفن العربي المعاصر.
فالعمارة البغدادية، كما تظهر في اللوحة، لا تُقدَّم بوصفها عنصراً ماضوياً جامداً، بل كبنية جمالية قادرة على التفاعل مع الحاضر، وإعادة إنتاج ذاتها ضمن خطاب تشكيلي معاصر.
ويكتسب هذا العمل بعداً إضافياً عند ربطه بتجربة الفنان الشخصية. فوليد حسان معيوف، المولود في بغداد عام 1965، والمتخرج من كلية الفنون الجميلة، ظل مرتبطاً بالمدينة بوصفها منبعاً أساسياً لخياله الفني. وحتى بعد انتقاله إلى تركيا عام 2014 واستقراره في مدينة مانيسا، بقيت بغداد حاضرة في أعماله بوصفها ذاكرة لا تنقطع.
وفي هذا السياق، لا تمثل لوحة «شارع الرشيد» عملاً منفرداً، بل تشكّل جزءاً من مشروع فني يسعى إلى تحويل تفاصيل بغداد وأمكنتها اليومية إلى صور بصرية نابضة بالمعنى. ومن خلال هذا المشروع، يرسّخ وليد حسان معيوف حضور العمارة البغدادية بوصفها أداة جمالية ورمزية، تسهم في صياغة هوية الفن التشكيلي العراقي المعاصر، وتفتح أفقه على أسئلة الحداثة دون التفريط بجذوره الثقافية.
بوابة الشروق, ثقافة
24 يناير، 2026