في إطار الاحتفاء برواد الفن التشكيلي المصري ضمن محور الاحتفاليات الخاصة برواد الثقافة المصرية، أُقيمت ندوة خاصة للاحتفال بمرور 120 عامًا على ميلاد الفنان الكبير سيف وانلي، أحد أبرز أعلام التشكيل في مصر، وصاحب تجربة فنية متفردة أسست لما عُرف بـ«مدرسة الإسكندرية» في الفن التشكيلي.وُلد محمد سيف الدين إسماعيل محمد وانلي، الشهير بـ«سيف وانلي»، في الإسكندرية يوم 31 مارس 1906، وتوفي في ستوكهولم في 15 فبراير 1979. ويُعد، مع شقيقه الأصغر الفنان أدهم وانلي، من أهم الأسماء التي تركت أثرًا عميقًا في الحركة التشكيلية المصرية، حيث تحوّل مرسمهما إلى ملتقى دائم للفنانين والمثقفين لأكثر من أربعين عامًا، ولا يزال عطاؤهما حاضرًا من خلال متحف سيف وأدهم وانلي بمجمع متاحف محمود سعيد بالإسكندرية.عمل سيف وانلي أستاذًا لفن التصوير الزيتي بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية منذ إنشائها عام 1957، كما شغل منصب مستشار فني بقصور الثقافة، ورئيسًا للجمعية الأهلية للفنون الجميلة، وكان من أوائل الفنانين المصريين الذين اتخذوا من الفن مصدرًا أساسيًا للرزق، وفتح مرسمه للجميع باعتباره مدرسة مفتوحة للإبداع.وفي كلمته الافتتاحية، وجّه الدكتور خالد البغدادي الشكر للحضور، مؤكدًا أن مثل هذه الندوات تسهم في بناء الوعي، الذي يمثل حجر الزاوية لأي حضارة، ومشددًا على أن الثقافة والفنون هما العمود الفقري لبناء المجتمعات. كما ثمّن دور معرض القاهرة الدولي للكتاب، منذ انطلاقه عام 1969، في الاحتفاء بالشخصيات المؤثرة في تشكيل الوعي المصري، مشيرًا إلى أن المعرض يحتفي هذا العام بعدد من رموز الفنون الجميلة، من بينهم محمود مختار، وعايدة عبد الكريم، وسيف وانلي.وأوضح أن مصر تمتلك منظومة تعليمية وتشكيلية راسخة في مجال الفنون، سبقت بها كثيرًا من الدول، وأن سيف وانلي يُعد رائدًا حقيقيًا أسهم، مع شقيقه أدهم، في تأسيس ظاهرة فنية متكاملة ارتبطت بروح الإسكندرية المتعددة الثقافات.وخلال الندوة، أعربت الدكتورة أميرة فهمي، أستاذ التصوير والحاصلة على جائزة «نسق» في البحث العلمي، عن سعادتها بالمشاركة، مؤكدة أن اهتمامها بسيف وانلي بدأ من موقع الباحثة في تجارب الرواد. وأشارت إلى أن أعماله تكشف عن قيم فنية وإنسانية واضحة، تتجسد في ارتباطه العميق بمدينة الإسكندرية بوصفها فضاءً كوزموبوليتانيًا متنوع الثقافات.وأوضحت أن البحر، والشاطئ، والمقاهي، والحياة اليومية السكندرية حضرت بقوة في أعماله، لكن دون الوقوع في أسر فكرة واحدة أو أسلوب ثابت، بل على العكس، تميز سيف وانلي بقدرة لافتة على التجريب والتجدد، متنقلًا بين المدارس الواقعية، والتكعيبية، والتجريدية، وحتى الاسكتش، بمرونة واسترسال واضحين.وأضافت أن اهتمامه بصُنّاع الفن من عازفين وراقصي باليه وفناني سيرك منح لوحاته حيوية خاصة، مع اعتماد لافت على الألوان الزاهية، التي شهدت تحولًا ملحوظًا بعد وفاة شقيقه أدهم، حيث اتجهت أعماله إلى مساحات أكثر قتامة وتأملًا، ورغم ذلك، ظل حريصًا على الجمال الشكلي في اللوحة، ولم يلجأ كثيرًا إلى الرمزية، مفضلًا الفرادة والوضوح.من جانبه، أكد الدكتور وليد قانوش، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، أن الاحتفال بمرور 120 عامًا على ميلاد سيف وانلي يأتي تتويجًا لقيمة فنان لم يتلقَّ تعليمًا أكاديميًا تقليديًا، بل نشأ في بيئة تعليم منزلي بمعلمين أجانب، ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالجاليات الأجنبية في الإسكندرية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.وصرّح بأن القطاع يُعد حاليًا احتفالية كبرى بسيف وانلي. وأشار إلى أن سيف وانلي اختصر في تجربته ما يزيد على مئتي عام من تطور الفن الأوروبي، متنقلًا بين الكلاسيكية الأكاديمية والتجريد، دون أن يفقد هويته الخاصة، ليصبح مرجعًا حيًا لطلاب الفن والباحثين في تطور الحركة التشكيلية المصرية.وتحدثت الدكتورة مروة صادق، أستاذ الفنون التشكيلية بجامعة بدر، عن أهمية الفنان سيف وانلي، مؤكدة أنه من أهم رواد الحركة التشكيلية، وتميزت أعماله بالثراء الإنساني وشغفه ببيئته، ومن أبرز لوحاته «راقصات الباليه» و«فنانو السيرك».درس سيف وانلي الفن في مدرسة حسن كامل عام 1929، التي عُرفت لاحقًا بالجمعية الأهلية للفنون الجميلة بالإسكندرية، ثم التحق مع شقيقه بمرسم الفنان الإيطالي أتورينو بيكي عام 1930، قبل أن يؤسسا مرسمًا خاصًا لتعليم الرسم عام 1935.وتنتشر أعماله في عدد من المواقع المهمة داخل مصر وخارجها، منها الإسكندرية، والدقهلية، وفنادق كليوباترا وشيراتون بالقاهرة، والبوريفاج بالإسكندرية، ووزارة الخارجية الإيطالية بروما، ومحطة الركاب بميناء الإسكندرية، إلى جانب تصميمه لعدد من ديكورات المسرح مثل «شهرزاد» وأوبريت «بلياتش كارمن».وفي مداخلة لها، أعربت الفنانة اللبنانية مادلين طبر – المعروفة بحرصها الدائم على حضور معارض الفن التشكيلي والندوات الثقافية – عن إعجابها الشديد برؤية المنصة لأعمال الفنان سيف وانلي، مؤكدة أن هذه القراءة البصرية العميقة تعيد تقديم الفنان بصورة تليق بتاريخه وقيمته. كما وجّهت التحية إلى الدكتور أحمد هنو تقديرًا لاهتمامه بمختلف الفنون وحرصه على فتح مساحات حقيقية للحوار الثقافي.ومن جانبه، أعرب الفنان التشكيلي الكبير الدكتور أحمد الجنايني عن سعادته البالغة باهتمام معرض القاهرة الدولي للكتاب بمحور الفن التشكيلي، وبخاصة الاحتفال بسيف وانلي، معتبرًا أن هذا الاهتمام يفتح بابًا ضروريًا لمناقشة تاريخ الفن التشكيلي المصري ورموزه. وأكد أن سيف وانلي يُعد علامة فارقة في هذا التاريخ، كونه فنانًا مارس الفن داخل مجتمع منفتح على الغرب، في مدينة مثل الإسكندرية التي اتسمت بتنوع ثقافي واسع.وأشار الجنايني إلى أن تجربة وانلي الفنية بدت وكأنها رحلة دائمة بين العواصم والأمكنة والتواريخ والجغرافيات، دون انشغال مباشر بالانتماء الصارم إلى مدرسة تشكيلية بعينها، موضحًا أن هذه الحرية حملت في طياتها إيجابيات وسلبيات، لكنها منحت تجربته فرادة خاصة. كما لفت إلى أن سيف وانلي كان شديد الارتباط بالحياة اليومية، كثير الجلوس على المقاهي، يرسم في أي لحظة وعلى أي ورقة تقع في يده، حتى ولو كانت ورقة سجائر، وهو ما أسهم في غزارة إنتاجه وجعله يعيش دائمًا في حالة إبداع متصل.وحصل سيف وانلي على الجائزة الكبرى في بينالي الإسكندرية عام 1959، وجائزة الدولة التقديرية عام 1973، كما نال الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون عام 1977، ليظل اسمه حاضرًا بوصفه أحد أعمدة الفن التشكيلي المصري.واختتم الدكتور خالد البغدادي الندوة بكلمة أكد فيها أن الاحتفال بمرور 120 عامًا على ميلاد سيف وانلي يأتي تأكيدًا على مكانته كفنان حر، ومجدد، ومؤسس لتيار فني لا يزال تأثيره ممتدًا حتى اليوم، وتجديدًا للعهد مع ذاكرة بصرية صنعتها الريشة بصدق، وكتبتها الإسكندرية بلون البحر واتساع الأفق.
ثقافة, جريدة الدستور
28 يناير، 2026