تشهد أوروبا فى السنوات الأخيرة تحولا لافتا فى تعاملها مع الفضاء الرقمى الخاص بالأطفال والمراهقين، فى ظل تصاعد المخاوف من تأثير منصات التواصل الإجتماعى وألعاب الانترنت التفاعلية على الصحة النفسية والسلوكيات الاجتماعية والأمن الشخصى للقاصرين، هذا التحول لم يعد مقتصرا على التحذير أو التوعية بل تطور إلى مناقشات تشريعية صريحة، وإجراءات تنظيمية ودعوات لحظر أو تقييد الوصول إلى بعض المنصات الرقمية لمن هم دون سن 16 عاما.
السوشيال ميديا تحت المجهر الأوروبي
وتصاعد الجدل داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبى حول فرض قيود صارمة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعى من قبل الأطفال والمراهقين، ودعا البرلمان الأوروبى إلى حظر استخدام منصات مثل تيك توك وانستجرام واكس ، لمن هم دون 16 عاما إلا بموافقة أولياء الأمور ، معتبرا أن هذه المنصات لم تعد مجرد وسائل ترفيه أو تواصل ، بل أصبحت بيئات رقمية معقدة تؤثر بعمق على النمو النفسى والسلوكى للأطفال.
ولا تقتصر الدوافع الأوروبية على القلق الأخلاقي فقط، بل تستند إلى تقارير رسمية تتحدث عن ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتنمر الرقمي واضطرابات النوم بين المراهقين، إضافة إلى الخوارزميات التي تُبقي المستخدمين الصغار في حالة تعلّق دائم بالشاشة.
من السوشيال ميديا إلى الألعاب الاجتماعية
في هذا السياق، لم تعد ألعاب الإنترنت بمنأى عن الرقابة، وعلى رأسها لعبة روبلوكس، التي تحوّلت من لعبة أطفال بسيطة إلى منصة اجتماعية رقمية مفتوحة تضم ملايين المستخدمين حول العالم، أغلبهم من القصر.
ورغم أن روبلوكس تصنف كلعبة فإنه فى الواقع تجمع بين خصائص الألعاب ومنصات التواصل الاجتماعى ، من دردشات مفتوحة ومحتوى من إنشاء المستخدمين وعوالم افتراضية وتفاعل مباشر بين لاعبين من أعمال وخلفيات مختلفة، وهذه الطبيعة الهجينة وضعتها تحت مجهر السلطات الأوروبية.
هل حظرت أوروبا روبلوكس؟
من المهم التوضيح أن الاتحاد الأوروبي لم يصدر حظرًا شاملًا رسميًا على روبلوكس، لكن عدة دول أوروبية اتخذت إجراءات صارمة أو أطلقت تحذيرات وتحقيقات حول اللعبة، ويمكن تلخيص المشهد كالتالي:
ألمانيا: شددت الجهات المختصة على ضرورة الالتزام الصارم بتصنيفات العمر (USK)، وفرضت قيودًا على المحتوى والدردشة داخل اللعبة، مع تحميل الأهل والمنصة مسؤولية الرقابة.
هولندا وبلجيكا: أطلقتا تحذيرات متكررة تتعلق بالمشتريات داخل اللعبة، وتأثيرها النفسي والمالي على الأطفال.
فرنسا: ناقشت في البرلمان العلاقة بين الألعاب الرقمية المفتوحة والصحة النفسية للقاصرين، ووضعت روبلوكس ضمن أمثلة المنصات الرمادية التي تحتاج إلى تنظيم أشد.
إسبانيا ودول الشمال الأوروبي: ركزت على مخاطر التفاعل غير المراقب بين الأطفال والغرباء داخل الألعاب الاجتماعية.
هذه الإجراءات لا تُسمى حظرًا مباشرًا، لكنها تمثل تضييقًا تدريجيًا يهدف إلى تقليل وصول الأطفال غير الخاضعين للرقابة إلى هذه المنصات.
اللافت أن المنطق الأوروبي في ملف السوشيال ميديا هو نفسه في ملف روبلوكس ، حماية القصر ، وتقليل الإدمان الرقمى ، وضبط المحتوى والتفاعل وتحميل الشركات مسئولية أكبر.
من وجهة نظر صناع القرار، لا فرق كبير بين طفل يقضي ساعات على تيك توك ، وآخر يعيش داخل عالم افتراضي مفتوح مثل روبلوكس ، حيث يتعرّض لنفس المخاطر: محتوى غير مناسب، تنمّر، تواصل غير آمن، وإدمان.
لماذا التركيز على سن 16 عامًا؟
يعتبر سن 16 أصبح رقمًا محوريًا في السياسات الأوروبية لأنه تماشى مع تشريعات حماية البيانات (GDPR)، و يُعتبر سنًا انتقاليًا في النضج الرقمي، و يسمح قانونيًا بمسؤولية أكبر للمستخدم.