منذ طفولتها الأولى، لم تكن الكاتبة الرومانية ميهائيلا كوشيسكو ترى الأدب بوصفه مادة جامدة تُدرَس، بل عالمًا حيًا يُعاش ويُكتَب ويُعاد اكتشافه مع كل حكاية جديدة، فبين دفاتر الطفولة، والقراءة المبكرة، وتجربة الأمومة، تشكّل وعيها الأدبي الذي قادها إلى الكتابة للأطفال، حيث يصبح الخيال أداة للنمو، والتراث الشعبي ذاكرة نابضة لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تخاطب الحاضر والمستقبل.في هذا الحوار مع “الدستور”، تتحدث كوشيسكو عن بداياتها مع الكتابة، وتأثير الأسرة والقراءة في تشكيل صوتها الأدبي، ورؤيتها للتراث الشعبي كعنصر حي يتجدد عبر السرد، كما تناقش دور الترجمة في كسر الحواجز الثقافية وتحويل الحكايات المحلية إلى لغة إنسانية مشتركة، مؤكدة أن الأدب لا يعيش بالتحليل وحده، بل بالمحبة والدهشة التي يزرعها في وجدان القارئ، خاصة الطفل.

■ في البداية، كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ وما دور تشجيع أسرتك في تشكيل وعيك الأدبي المبكر؟
كانت والدتي معلمة في المرحلة الابتدائية، وعلى مدار أكثر من ثلاثين عامًا عملت في مدرسة خاصة للأطفال ذوي الإعاقات الجسدية والذهنية، وكانت تأخذني معها طوال الوقت لأنه لم يكن هناك من يعتني بي، وبحكم فضولي كطفلة، تعلمت القراءة على يد أمي قبل أن ألتحق بالمدرسة، ثم في السنوات الأولى من الدراسة، في سن السابعة تقريبًا، بدأت أكتب أولى قصصي، وشيئًا فشيئًا، امتلأت الدفاتر بحكايات عن عوالم خيالية كنت أسافر إليها بخيالي.وفي المدينة التي عشت فيها، لم يكن هناك الكثير مما يمكن رؤيته، لذلك كنت أقرأ كثيرًا وأسافر عبر الكتب، وفي ذلك الوقت، لم يكن أحد يتخيل أنني سأصبح كاتبة، فجميع الكُتّاب الذين درسناهم في المدرسة كانوا قد رحلوا منذ زمن بعيد، وكان الأدب يبدو وكأنه شيء أبدعه أشخاص في الماضي، ودورنا يقتصر فقط على دراسته. لم نكن نحلم بأن نكتب أو ننشر بأنفسنا، لذا قام والداي بإعادة تدوير دفاتري المليئة بالقصص، وغالبًا ما أمزح مع الأطفال قائلة إن هذه الدفاتر تحولت على الأرجح إلى ورق مرحاض.
■ ما أقدم ذكرياتك المرتبطة بالقراءة والقصص؟ وكيف أثرت هذه التجارب في اختيارك لاحقًا للكتابة، خصوصًا للأطفال؟
في طفولتي، كنت أقرأ كثيرًا جدًا، حيث كانت لدي بطاقات اشتراك في ثلاث مكتبات مختلفة، وكنت أذهب لاستعارة أكبر عدد ممكن من الكتب المسموح به، وجاءت الكتابة بشكل طبيعي، فكنت أكتب بالفعل في مجلة المدرسة، وفي المرحلة الثانوية كتبت قصة قصيرة من أدب الفانتازيا باللغة الفرنسية، كما شاركت في مسابقات اللغة الرومانية، ووصلت حتى المستوى الوطني.أما الكتابة للأطفال فجاءت هي الأخرى بشكل طبيعي، بدافع الحب لأطفالي حين أصبحت أمًا، وفي الوقت نفسه، أعادتني الأمومة إلى طفلي الداخلي، إلى طفولتي الخاصة، وذكّرتني بما كنت أفعله بفرح خالص.
الحكايات الشعبية كائنات حيّة تتنفس في وجدان الأطفال
■ كيف ترين التراث الشعبي كعنصر حي في الأدب، وليس مجرد موضوع تاريخي أو فولكلوري؟
بالنسبة لي، يظل التراث الشعبي حيًا ما دام يُعاد سرده بمشاعر ومعانٍ حقيقية، إنه ليس قطعة متحفية، بل يتنفس عبر اللغة، والإيقاع، والشخصيات النموذجية التي لا تزال تخاطب مخاوفنا وآمالنا وأسئلتنا الأخلاقية، ففي الأدب، وخصوصًا أدب الأطفال، يحيا التراث الشعبي عندما يصبح مرآة للنمو الداخلي، لا مجرد استعادة للماضي.
■ في تجربتك الأدبية، كيف يظهر التراث الشعبي الروماني في الكتابة المعاصرة؟ وهل تعتقدين أنه لا يزال حاضرًا في وعي الأجيال الشابة؟
يظهر التراث الشعبي الروماني اليوم بطرق أكثر خفاءً: من خلال الرموز، وبُنى السرد، وعناصر الواقعية السحرية أو الاختبارات الأخلاقية، بدلًا من إعادة سرد الحكايات الشعبية بشكل مباشر، وقد لا يدرك الجيل الشاب هذه الجذور بوعي كامل، لكنه يستجيب لها غريزيًا، حيث إنك عندما تلامس قصة شيئًا عميقًا ومألوفًا، فغالبًا ما تكون الذاكرة الشعبية هي التي تتحدث، بهدوء ولكن بإصرار.
■ إلى أي مدى ترين أوجه تشابه بين التراث الشعبي الروماني والعربي أو المصري، سواء في السرد أو الرموز أو الذاكرة الجمعية؟
أرى الكثير من أوجه التشابه، خاصة في الاستخدام الرمزي للرحلات، والاختبارات، والحكماء، والحوار الدائم بين العوالم المرئية وغير المرئية، فكلا التراثين، الروماني والعربي/المصري، يقدّران الحكي كفعل جماعي، وينظران إلى القصص باعتبارها حاملة للحكمة الأخلاقية، حيث الشمس، والماء، والصحراء، أو الغابة، هي مناظر مختلفة، لكنها تؤدي أدوارًا روحية متشابهة في الذاكرة الجمعية.

■ هل تعتقدين أن الأدب قادر على حماية التراث الشعبي من الاندثار بشكل أكثر فاعلية من الدراسات الأكاديمية البحتة؟ ولماذا؟
نعم، بالتأكيد، فالدراسات الأكاديمية تحفظ المعرفة، لكن الأدب يحفظ المشاعر، والتراث الشعبي لا يعيش لأنه يُحلَّل، بل لأنه يُح، حيث إن الطفل الذي يشعر بالدهشة أثناء قراءة قصة، سيحمل هذا التراث داخله لفترة أطول بكثير ممن تعرّف عليه فقط في إطار نظري.
■ كيف يمكن للكاتب أن يوازن بين الحفاظ على روح التراث الشعبي وابتكار نص حديث يخاطب قارئ اليوم؟
من خلال الوفاء للجوهر لا للمظهر، فيمكن للغة، والإيقاع، والموضوعات أن تكون حديثة، لكن القلب والتمهيد، والتحول، والاختيار الأخلاقي يجب أن يظل محفوظًا، وعلينا أن نعرف لان التراث الشعبي مرن بطبيعته، وقد نجا عبر القرون لأنه يتكيف مع الزمن مع الحفاظ على روحه.
■ برأيك، ما دور الترجمة في كسر الحواجز الثقافية وتحويل التراث المحلي إلى ذاكرة إنسانية مشتركة؟
الترجمة فعل تعاطف عميق، فهي تسمح لقصة وُلدت في ثقافة ما أن تجد بيتًا لها في ثقافة أخرى دون أن تفقد نبضها، ومن خلال الترجمة، يتوقف التراث المحلي عن كونه “غريبًا”، ويصبح جزءًا من قصة إنسانية مشتركة، تذكرنا بمدى تشابهنا الحقيقي.علي أن أعترف أني أشعر بامتنان عميق لمترجمي أدريان جامان، نائب السفير في سفارة رومانيا بمصر، على ترجماته الرائعة، كما أود أن أشكر زوجته المصرية، مارينا، التي قرأت القصص وقدمت ملاحظات قيّمة بصفتها متحدثة أصلية للغة العربية، وساعدتني أيضًا في التواصل مع أكثر من مائة طفل خلال ورشة تفاعلية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث إنني حين استمعت إلى قصتي وكلماتي مترجمة إلى العربية من دون أن أفهم كلمة واحدة، اكتشفت لغة جديدة تتجاوز الترجمة، هي: لغة الحب.. الحب للأطفال، وللقصص التي توحّد كل العوالم.
■ في عصر التكنولوجيا الرقمية ووسائل الإعلام الجديدة، هل ترين أن الأدب الشعبي مهدد، أم أنه يجد طرقًا جديدة للبقاء؟
أعتقد أنه يتحول أكثر مما يختفي، فقد تشتت المنصات الرقمية الانتباه، لكنها تفتح أيضًا مسارات جديدة، منها القصص الصوتية، والرسوم المتحركة، والكتب التفاعلية، حيث يرجعنا ذلك إلى الأدب الشعبي الذي كان دائمًا ينتقل عبر الصوت، واليوم يستخدم ببساطة أصواتًا وأدوات جديدة، وأنا أؤمن أننا سنظل دائمًا في رحلة بحث عن جذورنا، نعود إلى القصص القديمة لنفهم أنفسنا وتاريخنا بشكل أفضل.

■ شاركتِ في ورشة تفاعلية للأطفال جمعت بين أطفال رومانيين ومصريين في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. كيف تصفين هذه التجربة على المستوى الإنساني والثقافي؟
كانت ورشة العمل التي أقيمت في 31 يناير الماضي، تجربة ذات تأثير عاطفي كبير بالنسبة لي.. وكان مشروعًا قريبًا إلى قلبي، هدفه توحيد قلوب أطفال بلدينا، وتم تصميمه بالتعاون مع سفارة رومانيا في مص، حيث كان الأطفال في غاية الحماس، متفاعلين، وشاركوا بفرح، وأعتقد أنهم كانوا سيبقون حتى عشر ساعات يستمعون إلى القصص دون أن يشعروا بالملل.
■ ماذا لاحظتِ في تفاعل الأطفال مع القصص والأنشطة المقترحة؟ وهل لاحظتِ تقاربًا في خيالهم رغم اختلاف اللغة والثقافة؟
أهم ملاحظة هي أن إجابات الأطفال المصريين على أسئلتي كانت شبه مطابقة لإجابات الأطفال الرومانيين، فنحن أكثر تشابهًا مما نتصور، وأرواحنا تهتز على الإيقاع نفسه.
■ في نهاية الورشة، قدّمتِ للأطفال كتبًا، وهي لفتة ذات دلالة رمزية قوية.. ماذا مثّل لكِ هذا الموقف، وما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلاله؟
الكتاب الذي قرأناه مع الأطفال يتناول الأحلام، لكنه يتحدث أيضًا عن الكرم والقلوب الطيبة التي تساعد الأحلام على أن تتحقق، وأمنيتي في كل ورشة مع الأطفال أن يغادروا وهم مُلهمون، وأن يقرأوا، وأن يخلقوا قصصهم الخاصة، وأن يحلموا، وأن يضعوا خططًا لتحقيق أعز أحلامهم، وأن ينقلوا أيضا الكرم للآخرين، أيًّا كان شكله سواء في فكرة طيبة، قصة، أو عناق.
■ أخيرًا، كيف كان شعورك بالمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب وتقديم أعمالك مترجمة من الرومانية إلى العربية للقارئ العربي؟
كان شعورًا مؤثرًا للغاية ومفعمًا بالتواضع، فأن أرى قصصي التي وُلدت باللغة الرومانية، تلقى صدى باللغة العربية، كان أشبه بمشاهدة جسر يُبنى بين الثقافات، كما أن دفء القرّاء وانفتاح الحوار أكدا إيماني بأن القصص، بمجرد مشاركتها، تصبح ملكًا للجميع.كان شرفًا لي أن أمثل بلدي في حدث بهذه الأهمية، وأنا ممتنة للغاية لسفيرة رومانيا، السيدة أوليفيا توديريان، ولفريقها بالكامل في السفارة على عملهم الاستثنائي لأكثر من عام، والذي حوّل هذا الحدث إلى فعل حقيقي من أفعال الدبلوماسية الثقافية، قرّب بين بلدينا.كما أود أن أشكر السيدة ميراي نسيم، الرئيس التنفيذي لجمعية “تكاتف” للتنمية، التي قدّمت قراءة عامة مميزة لكتابي “الدراجة المسحورة”، والاستماع إلى قصتي بصوتها الدافئ جعلني أشعر بكل المشاعر التي سكبتها في الكتاب، حيث كان الأمر أشبه بالاستماع إلى أغنية جميلة.أيضا، لقد تأثرت كثيرًا بشغف الأطفال المصريين بالقراءة، وأؤمن حقًا أنه لو كانت لدينا عشرة آلاف نسخة من الكتب، لكانت قد نفدت جميعها في يوم واحد، حيث تلقيت الكثير من الأحضان وكلمات التقدير الصادقة من جمهور تأثر بعمق بالقصة، وآمل أن تكون هذه بداية صداقة جميلة، وأن تصل المزيد من كتبي إلى الأطفال المصريين في المستقبل.




