ثقافة, جريدة الدستور 16 فبراير، 2026

“وعملت إيه فينا السنين؟”، ربما يكون مقطع أغنية الفنانة الراحلة وردة الجزائرية، “العيون السود”، الأقرب في توصيف المجموعة القصصية، “جامع العملات القديمة”، للقاص شريف عبد المجيد، والصادرة مؤخرا عن دار بتانة للنشر في 124 صفحة من القطع الوسط، متضمنة 13 قصة قصيرة. 

شريف عبد المجيد: “وعملت إيه فينا السنين؟”

خيط إنساني يتراوح بين العام والخاص يربط قصص مجموعة شريف عبد المجيد، “جامع العملات القديمة”، قصص حول ما كان وكنا وكانوا، وكيف أصبحنا وصاروا.  فبين الهم العام والخاص، وبين الهموم الإنسانية التي يحملها أي إنسان علي ظهر البسيطة كالعزلة والوحدة تدور نصوص المجموعة.مواجهة الموت في وحدة وعزلة عن العالم وموجوداته، خيط يجمع بين عدة قصص من قصص المجموعة، ففي قصة “مشاهد من حياة الساحر القديم”، يقف المتلقي أمام حياة كاملة لإنسان بسيط وتحولات حياته، منذ البدايات وحتي وصول الأم المتوفاة لتقود خطواته الأخيرة نحو الجهة الأخري للحياة. حياة كاملة نقلها لنا القاص “شريف عبد المجيد”، بجمل شديدة الاختزال والتكثيف، ومن بين سطورها رأينا حياة ممتلئة للساحر الذي لجأ لهذا العمل إثر عمله مدرس دراسات اجتماعية لا يأخذ أحد من الطلاب في مادته دروس خصوصية، فكان هذا ما فعلته به السنين.

  

الجغرافيا تاريخ ساكن والتاريخ جغرافيا متحركة

ومن مقولة المفكر الكبير د. جمال حمدان: “الجغرافيا تاريخ ساكن، فيما التاريخ جغرافيا متحركة”، تنطلق نصوص عدة في المجموعة، قصة “انتقال السيد حسان”، قصة “السبع عرائس”، وقصة “العشاق يتقابلون في البورصة”. في قصة “انتقال السيد حسان”، وبنعومة شديدة يرصد شريف عبد المجيد، كيف يتغير التاريخ والجغرافيا. وما يتغير في أثرهما البشر. أيضا في نص “العشاق يتقابلون في البورصة”، حيث يتوازي تغير الجغرافيا بتغير التاريخ والبشر. فزملاء الدراسة والصبا بعد أن كانوا يحلمون بالعالم يفيض بالثقافة والفن والأدب، تتقطع سبلهم، ويتغير تاريخهم، فمن الإنطلاق نحو عالم الفن والرسم، تنتهي الأحلام علي باب البورصة، وسلام باهت، واكتشاف متأخر لأوهام لازمت الراوي طوال سنوات عمره عن قصة عشق لم تكن إلا في خياله هو فقط.

 

نهاية رجل شجاع   

من وقائع متناثرة هنا وهناك عن ضياع تراث ماسبيرو ونهبه من عقود، ينسج شريف عبد المجيد قصته “حكاية أمين مكتبة”، عن ذاك الموظف البسيط الذي التحق بالعمل بالتلفزيون عقب حصوله علي الدبلوم. كانت له ميول أدبية لكنه أقلع عن الكتابة بعد حضوره لعدة ندوات ثقافية واكتفي بكتابة خواطره.عندما يكتشف المكتبة الضخمة بمبني ماسبيرو يشتعل شغف من جديد بالأدب والكتابة حتي أن هذا الاكتشاف كان محرضا ليستكمل تعليمه حتي يحصل علي ليسانس الآداب قسم المكتبات فيترقي في عمله وتصير المكتبة بيته وأهله وعالمه بأكمله. ولكنه عندما يكتشف مجلدات نادرة في سلة المهملات فيبلغ بالأمر تكون نهايته، نهاية رجل شجاع.برهافة شديدة يغزل “عبد المجيد”، سراديب الفساد ويكشف شبكاته المتصلة بعضها البعض، فتبدو قصتي،  “حكاية أمين مكتبة”، و”مقتل السيدة الألبانية” متشابهاتان، وإن كانت أحداثهما علي النقيض، لكنهما يفضحا الكثير من المسكوت عنه.

 

هوس السوشيال ميديا والتريند 

كما يتطرق شريف عبد الميد في مجموعته “جامع العملات القديمة”، إلي الآثار السلبية الكارثية التي أدخلتها التكنولوجيا الحديثة في ثقافتنا خاصة وسائل التواصل الاجتماعي وهوس التريند الذي أصبح آفة وكارثة مجتمعية تحتاج إلي تكاتف علماء الاجتماع والمثقفين لمجابهتها وتفكيكها.ففي قصة “بث مباشر” ينقل لنا “عبد المجيد” وقائع كابوسية لهوس التريند، والإقدام علي فعل كل وأي شيئ لحصد المشاهدات والمتابعات حتي ولو عن طريق الانتحار أمام كاميرا “الموبايل” في بث مباشر. وما يترتب علي هذا الهوس من غياب تام للمشاعر الإنسانية الطبيعية الفطرية.

 

عنصري الأمة.. في أمل.. إيه في أمل

 في أمل. إيه في أمل، أغنية جارة القمر فيروز، تفجر كلماتها قصة “حكيم”. فبرغم الأجواء الكابوسية التي تصبغ قصص المجموعة، إلا أن قصة “حكيم” وعلي بساطة الحكاية فيها إلا أنها تحمل معاني عميقة تختزل آلاف الكلمات المباشرة، والشعارات الزاعقة حول الوحدة الوطنية، وكم أن المصريين عنصر واحد فقط، العنصر المصري وحده، كل ما في الأمر أن شطر منه يصلي في المسجد بينما الشطر الآخر يركع في الكنيسة. “حكيم” تنقل صورة الشخصية المصرية الحقيقية والتي لاتزال متمسكة بأفضل ما فيها برغم ما طرأ عليها من متغيرات، لكن يبقي الأصل النفيس الذي يظهر في الشدائد.  

زيارة مصدر الخبر