ثقافة, جريدة الدستور 16 فبراير، 2026

تفتح لنا الشاعرة والباحثة في تراث بني هلال”أميرة أبو الدهب ” قلبها وذاكرتها، متتبعًه  بداياتها مع السيرة الهلالية، ومراحل اشتغالها عليها، وصولًا إلى إصدار كتابه «جزوة بني هلال» بعد رحلة بحث امتدت ثلاثة عشر عامًا. بدأت منذ عام 2011 وانتهت 2024، كما تستعرض ملامح من العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج والطعام والحياة اليومية، كاشفًة كيف تحولت السيرة من مربعات تُروى على الربابة إلى مادة مكتوبة تحفظ التراث وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة.

الشاعرة أميرة أبوالدهب: هكذا جاءت البداية مع سرد سيرة بني هلال (حوار)
الشاعرة أميرة أبو الدهب مع محرر الدستور كيف كانت بدايتك مع السيرة الهلالية؟البداية كانت سماعًا لا كتابة. نحن في بيت هلالي، وكانت السيرة تُحكى لنا على ألسنة الجدود. كنت أسمعها في الجلسات، وأحفظ بعض مقاطعها دون أن أدرك طبيعتها الفنية. لاحقًا، حين التحقت بنادي الأدب واطلعت على فنون الشعر، عرفت أن ما كنت أسمعه يُكتب وفق أوزان شعرية، منها بحر المشتبه، وأن ما يسمى بـ”المربعات” هو بناء شعري منظم له لحنه وقافيته. السيرة الهلالية بحر واسع، يُقال إنها تضم ما يقارب ثلاثة ملايين مربع شعري، ومن المستحيل أن يحفظها إنسان كاملة، لكنها تتضمن موجزات لقصص كبرى: قصص أبطال وأندال، عشق وحرب، عدل وظلم، دين ووطن. هل يشترط أن يكون الراوي من بني هلال؟ أبدًا. السيرة موروث شعبي مفتوح. يكفي أن نذكر أن الشاعر عبد الرحمن الأبنودي – وهو ليس هلاليًا – جاب تونس أكثر من مرة يجمع نصوص السيرة ويحفظها. السيرة أكبر من القبيلة، هي تراث إنساني. هل تختلف الروايات من راوٍ إلى آخر؟ نعم، وهذا طبيعي في التراث الشفاهي. كل راوٍ يضيف لمساته. قد تجد قصة بطل يموت في رواية، بينما في رواية أخرى يظل حيًا ويُمنح دورًا بطوليًا أكبر. هذه الاختلافات جزء من جمال السيرة وثرائها، لكنها تطلبت مني بحثًا وتمحيصًا دقيقين أثناء الكتابة.متى بدأت الاشتغال الجاد على مشروعك الخاص؟بدأت في يونيو 2011، حين انضممت إلى نادي أدب أسوان. هناك أدركت أن “المربعات” يمكن أن تُستخدم ليس فقط لرواية السيرة، بل للتعبير عن أي موضوع معاصر. بدأت أجمع وأدوّن وأسأل الرواة في القرى المختلفة، أضيف وأحذف وأقارن بين الروايات.

img

صدور كتاب “أم الدنيا.. صورة قلمية في وصف القاهرة والناس” عن قصور الثقافة

استغرق إعداد كتاب «جزوة بني هلال» ثلاثة عشر عامًا. لم تكن سنوات كتابة فقط، بل سنوات بحث ميداني وتدقيق. الكتاب طُبع عام 2024، وناقشته نخبة من الأكاديميين في اتحاد كتاب مصر بالزمالك، والحمد لله فاق نجاحه توقعاتي.تحدثت في كتابك عن عادات الزواج عند بني هلال. كيف كانت قديمًا؟قديمًا، لم يكن للزوج أو الزوجة حق الاختيار. كان الزواج يتم في سن مبكرة جدًا؛ الفتى في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، والفتاة قد تكون في التاسعة أو العاشرة. فكرة الحب قبل الزواج كانت مرفوضة اجتماعيًا وتُعد فضيحة.كانت الأم أو العمة أو الخالة تختار العروس. وإذا أعجبتها الفتاة، تُقام ليلة تُعرف بـ”ليلة الخلوان”، حيث يُقدم المهر في صورة حُلي بسيطة كالخلخال.وماذا عن طقوس الزفاف؟كانت طقوسًا بسيطة لكنها ثرية بالرموز. يُحنّى العريس فيما يُسمى “ليلة السبوع”، ويُزيّن البيت برايات بيضاء. وكانت مواد التجميل طبيعية: الكحل من لبان الدكر، وتضفير الشعر بالخيوط الصوفية. لم يكن هناك مكياج صناعي، وكانت البساطة عنوان الجمال.ماذا عن الطعام في حياة بني هلال؟الفطير كان عنصرًا أساسيًا في الغذاء، يُخبز في الفرن البلدي ويُجفف ليبقى صالحًا لأشهر. يُؤكل مع اللبن والسمن البلدي أو مع “السخينة” (خليط البصل المحمّر والطماطم ومرق اللحم).كما عرفوا الملوخية واللوبيا والفاصوليا، وكان لديهم نظام تخزين محكم يناسب طبيعة الحياة البدوية والتنقل، حتى في رحلات الحج التي كانت تستغرق ثلاثة أشهر سيرًا على الجمال.كيف ترى تحولات المجتمع اليوم مقارنة بالماضي؟اليوم اختلفت الأمور. الشباب يدرسون في الجامعات ويختلطون بمجتمعات مختلفة، ولم يعد الزواج مقصورًا على أبناء القبيلة. أرى أن هذا تطور طبيعي، ما دام في إطار الاحترام والقيم.الزمن تغيّر، ووسائل الاتصال تطورت، لكن يبقى التراث جذورًا لا يمكن اقتلاعها.أخيرًا.. لماذا الإصرار على كتابة السيرة  في قالب سردي اليوم؟لأن السيرة كانت في زمنها بمثابة “القناة الأولى” للمعرفة والتسلية. حين كان راوي الربابة يأتي إلى القرية، يلتف الناس حوله كما نلتف اليوم حول الشاشات. أردت أن أنقل هذا التراث من الشفاهة إلى الكتابة، حتى لا يضيع.السيرة الهلالية ليست مجرد حكاية قديمة، بل مرآة لوجدان شعب، وسجل حيّ لقيمه وصراعاته وأحلامه.

زيارة مصدر الخبر