يتناول كتاب «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر» للباحث ناجي غابة الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع، قضية طالما بقيت على هامش الكتابة التاريخية. ففي مقدمته يشير المؤلف إلى ندرة الدراسات التي تناولت تاريخ الرقيق، إذ لم تتجاوز الإشارة إليهم بضعة سطور عابرة في كتب التاريخ، وهو ما دفعه إلى اختيار هذا الموضوع لإلقاء الضوء على حياة الرقيق في مصر في مختلف جوانبها، ورصد سبل تحررهم ومقاومتهم.ويرى غابة أن حياة الرقيق في القرن التاسع عشر اتسمت بميزتين بارزتين: الأولى، أن المماليك الذين كانوا يمثلون في فترات سابقة صفوة عسكرية مستقلة تعمل لحسابها الخاص، أصبحوا في هذا القرن صفوة عسكرية وأرستقراطية تعمل في خدمة حكام مصر من أسرة محمد علي باشا، وتدين لهم بالولاء المطلق.أما الثانية، فهي أن القرن التاسع عشر شهد النهاية القانونية لنظام الرق في مصر. فعلى الرغم من استمرار بعض مظاهره بشكل مستتر حتى بدايات القرن العشرين، فإن التشريعات الدولية والمحلية التي صدرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أسهمت في تقويضه تدريجيًا، وأدت إلى اختفاء كثير من الظواهر المرتبطة به، مثل النخاسة، والتسري، ونظام الحريم، والخصاء.

وزيرة الثقافة تبحث مع نظيرتها اليونانية تعزيز التعاون الثقافي المشترك
نشأة الرق وتطورهيتتبع غابة جذور الرق عبر العصور، مستندًا إلى آراء علماء الأنثروبولوجيا الذين يرون أن الجماعات البشرية الأولى في العصر الحجري، والتي عاشت على الصيد وجمع الثمار، لم تعرف نظام الرق. ويستشهد المؤلف بشعوب لم تعرفه، مثل سكان أستراليا الأصليين، والإسكيمو، وبعض القبائل في نهر الأمازون ووسط أفريقيا وجزر المحيط الهندي.ويشير الكتاب إلى أن التحول الجذري حدث مع استقرار الإنسان واشتغاله بالزراعة، وظهور المدينة والملكية الفردية. ففي البداية كانت الأسرة تنتج ما يكفيها، لكن مع توسع المدن ونموها أخذت تنتج لغيرها، فازدادت الحاجة إلى العمل وتنظيمه. وهنا وجدت دولة المدينة في الأسرى قوة عمل مطواعة، فصاروا رقيقًا مملوكين للدولة يُستخدمون في بناء المعابد وتشييد القصور وشق الطرق وحفر الآبار والترع والعمل في المناجم وغيرها من الأعمال العامة. كما كانت الدولة تبيع بعضهم لأرباب الأسر للاستفادة من قوتهم البدنية أو قدراتهم الفكرية، ليغدو الرق نظامًا قانونيًا وأداة لتنمية رأس المال.ويعدد غابة طوائف الرقيق، ومنهم:الأرقاء بالأسر. والأرقاء بسبب الفقر. والأرقاء بسبب الجريمة. والأرقاء بالخطف.موقف الفلسفة والأديانيستعرض المؤلف مواقف الفلسفات القديمة من الرق، فيشير إلى أن المدرسة الأفلاطونية، المرتبطة بفكر أفلاطون، ميزت بين اليونانيين «العقلاء» وغيرهم من «البرابرة»، معتبرة غير اليوناني متوحشًا بطبعه. كما دعم أرسطو فكرة التمييز الطبيعي بين البشر.في المقابل، عارضت المدرسة الكلبية هذا التصور، ودعت إلى المساواة بين البشر ونقدت نظام الرق. أما المدرسة الرواقية فأنكرت التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، مؤكدة أن الناس جميعًا إخوة، لا سادة ولا عبيد بينهم.وعلى مستوى الأديان، يذهب غابة إلى أن اليهودية التقت في بعض جوانبها مع التصور الأفلاطوني، بينما دعت المسيحية إلى المساواة بين الناس. أما الإسلام، فقد ضيّق مصادر الاسترقاق، وحثّ على العتق، ويسّر أسبابه، وجعل تحرير الرقاب من أعمال البر والكفارات.الرق في مصريتناول الكتاب تنوع الوظائف التي شغلها العبيد في مصر، حيث تخصص العبيد السود غالبًا في الزراعة والصناعة والخدمة المنزلية، بينما ارتبط الرقيق البيض، ولا سيما الجواري، بأعمال الترفيه كالغناء والرقص، فضلًا عن وجودهن في قصور الحكام كمحظيات.بهذا الطرح، يقدم ناجي غابة قراءة تاريخية تحاول إعادة الاعتبار لفئة طال تغييبها في السرديات الرسمية، كاشفًا عن أدوارها الاجتماعية والاقتصادية، ومسارات مقاومتها، في مرحلة مفصلية من تاريخ مصر الحديث.