جريدة الدستور, فن 21 فبراير، 2026

قال الفنان إياد نصار إن صنّاع مسلسله الجديد «صحاب الأرض» لم يهتموا بأى انتقادات إسرائيلية، لأن العمل يشتبك مع الواقع دون تحريض، ويركز على الجانب الإنسانى دون شعارات، مشددًا على أن تقديم مسلسل كهذا يحتاج إلى وعى كبير، قبل المهارة التمثيلية.وأضاف «نصار»، فى حواره مع «الدستور»، أنه أردنى وله أصول فلسطينية، لذا شعر بالفخر، وأحس بأنه يناقش قضية قريبة منه، مشيرًا إلى أن المخرج بيتر ميمى كان يبحث عن الصدق فى كل مشهد، ولم يستهدف أن يكون المشهد مؤثرًا فقط. ■ بداية.. كيف تصف تجربتك فى مسلسل «صحاب الأرض»؟- أعتبر مشاركتى فى «صحاب الأرض» مواجهة مباشرة مع حكايات الفقد والصمود؛ فنحن لا نتعامل مع قصة متخيلة بالكامل، بل مع واقع حى لا يزال ينبض بالألم.الاقتراب من هذا النوع من الموضوعات يتطلب وعيًا كبيرًا قبل أن يتطلب مهارة تمثيلية، وكان علىّ أن أكون صادقًا للغاية مع نفسى أولًا، لأن أى خطأ فى الإحساس أو المبالغة فى الأداء قد يخل بصدق التجربة كلها.ما جذبنى للعمل أنه لا يطرح القضية الفلسطينية من زاوية خطابية أو سياسية مباشرة، بل من زاوية إنسانية؛ فالمسلسل ينشغل برصد الإنسان الفلسطينى فى لحظاته الهشة حين تتحول تفاصيل المعيشة اليومية إلى سردية كاملة عن البقاء.نحن لا نعيد سرد الأحداث الكبرى بقدر ما نتوقف عند التفاصيل الصغيرة، مثل الخوف والانتظار والتمسك بالأرض والعلاقة بالبيت وبالذكريات والأمل الذى لا ينكسر رغم كل شىء.■ ما الطريقة التى تعاملتم بها مع مشاهد قصف غزة؟- تعاملنا بحذر شديد ومسئولية مضاعفة؛ فالاقتراب من الألم دون إساءة أو استغلال هو التحدى الأكبر لأى صانع دراما.كل مشهد كان يُبنى بحسابات دقيقة جدًا، ولم نكن نبحث عن مشهد مؤثر بقدر ما كنا نبحث عن مشهد صادق؛ وهناك فرق كبير بين التأثير والصدق، فالتأثير يمكن صناعته بسهولة، لكن الصدق يحتاج إلى فهم عميق للوجع واحترامه.■ أين جرى تصوير مشاهد المسلسل؟- لم نصور المشاهد داخل قطاع غزة، بل فى بيئة قريبة من الواقع بشكل ما، وهذا فرض تحديات قاسية على فريق العمل؛ الظروف لم تكن سهلة، سواء من الناحية اللوجستية أو النفسية، ولكن فى الوقت نفسه هذا منح العمل صدقًا إضافيًا، فعندما تكون قريبًا من المكان الحقيقى، تشعر بأنك لا تمثل فقط، بل تعيش جزءًا من الحالة. هذا القرب يغيّر طريقة الأداء ويجعلك أكثر التزامًا بالتفاصيل.■ ما التفاصيل التى التزمت بها؟- أقصد بالتفاصيل: اللهجة والإيماءات وطريقة النظر؛ حتى الصمت بين الجمل، لذلك كان إشراك ممثلين فلسطينيين أمرًا ضروريًا، فالنبرة واللهجة والتفاعل الإنسانى نابعة من تجربة معايشة، لا من محاكاة، وهذا أضفى كثافة شعورية عالية على الشخصيات، وجعل العالم الدرامى قريبًا جدًا من الواقع، بعيدًا عن التنميط أو التجميل.■ كيف ترى معالجة المسلسل بصريًا وسرديًا؟- أعتقد أن مسلسل «صحاب الأرض» خرج من دائرة الإنتاج النمطى؛ فالمعالجة البصرية والسردية تتعامل مع الواقع باعتباره شهادة لا مجرد خلفية للأحداث.الصورة هنا ليست جزءًا للاستعراض، بل جزء من الحكاية، والكاميرا تقترب أحيانًا من التفاصيل الصغيرة جدًا، كأنها تقول إن الإنسان أهم من الحدث ذاته.■ هل كانت هناك استعدادات معينة قبل التصوير؟- نعم، التحضير كان طويلًا وضروريًا ولم يكن رفاهية؛ فعندما تتناول موضوعًا بهذه الحساسية، لا يمكنك الاعتماد على الانطباعات السطحية، وكان هناك بحث ونقاشات، ومراجعات مستمرة للنص، وحرصنا على ألا ننزلق إلى التبسيط أو الشعارات، وأردنا أن يكون الطرح آمنًا وصادقًا فى الوقت نفسه.■ ذكرت أن المسلسل يعبر عن «الفلسطينى الذى بداخلك».. ماذا تقصد بذلك؟- أنا أردنى من أصل فلسطينى، وهذه الهوية جزء من تكوينى، وعندما أقدم دورًا يعكس معاناة الفلسطينى لا أشعر بأننى أؤدى شخصية بعيدة، فهناك شىء داخلى يتفاعل بشكل شخصى جدًا، وربما لهذا شعرت بفخر خاص بالمشاركة فى هذا العمل، لأنه يمس جزءًا عميقًا من هويتى.■ كيف ترى العلاقة بين الشعبين المصرى والفلسطينى كما يعكسها العمل؟- المسلسل يجسد عمق العلاقة الراسخة بين الشعبين؛ فالقاهرة تمثل عمقًا حقيقيًا لفلسطين وليس فقط جغرافيًا، بل تاريخيًا وإنسانيًا، وهناك أرض مشتركة، وجع مشترك، وأمل مشترك.. هذا البعد كان حاضرًا فى العمل بشكل غير مباشر، لكنه واضح فى الروح العامة.■ هل يمكن القول إن المسلسل يحمل رسالة سياسية؟- العمل يحمل رسالة إنسانية بالأساس.. بالطبع القضية الفلسطينية قضية سياسية، لكن المسلسل لا يرفع شعارات، بل يسلط الضوء على تمسك أهالى غزة بأرضهم ورفضهم التهجير، لكن من خلال قصص بشرية بسيطة. الرسالة تنبع من الحكاية، لا من خطاب مباشر.■ كيف كان شعورك خلال التصوير؟- أحسست بمسئولية كبيرة جدًا؛ وكل المشاركين كانوا يشعرون بذلك.. دعم القضية الفلسطينية واجب إنسانى وأخلاقى، لكن عندما تتحول إلى عمل درامى، تصبح المسئولية مضاعفة؛ وذلك لأن الدراما قادرة على تشكيل الوعى، وإذا قدمت الصورة بشكل سطحى أو غير دقيق، قد تسىء بدلًا من أن تنصف.■ ما تقييمك لدور الشركة المتحدة فى هذا المشروع؟- أقدّر جدًا شجاعة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى تبنى هذا المشروع؛ فهذه النوعية من الأعمال نادرة وتحتاج إلى قرار جرىء، وجرى توفير إمكانات إنتاجية عالية، ودعم كامل لفريق العمل، وتذليل عقبات كثيرة لضمان خروج المسلسل بأفضل صورة.■ هل ترى أن الدراما قادرة فعلًا على التأثير فى الوعى العام؟- نعم، حين تقدم بصدق، فالدراما والسينما لديهما قدرة خاصة على نقل المعاناة وإعادة ترتيب الوعى أحيانًا.مشهد إنسانى صادق قد يكون أبلغ من عشرات الخطب.. والفن لا يغير الواقع مباشرة، لكنه يغير طريقة رؤيتنا له، وهذا فى حد ذاته تأثير كبير.■ ما الذى تتمنى أن يخرج به المشاهد من «صحاب الأرض»؟- أتمنى أن يطرح أسئلة قبل أن يطلق أحكامًا، وأن يفتح نافذة لفهم أعمق لما يعيشه الفلسطينى بعيدًا عن الاختزال أو التبسيط، وأن يدرك أن خلف الأخبار أناسًا لديهم بيوت وأحلام وذكريات.. إذا نجح المسلسل فى خلق مساحة تعاطف حقيقية، أعتبر أننا حققنا هدفنا.■ هل يمكن اعتبار «صحاب الأرض» وثيقة درامية؟- نعم، أرى «صحاب الأرض» وثيقة، فهو ليس تسجيلًا حرفيًا للأحداث، لكنه يوثق روح مرحلة مهمة ومؤثرة. يوثق الإحساس، وليس الحدث فقط، وربما هذه هى قوة الفن، إنه يحفظ المشاعر فى ذاكرة الجماهير.■ هل تابعت ردود الأفعال الإسرائيلية حول المسلسل؟- أى عمل فنى يقترب من القضية الفلسطينية، خصوصًا إذا تناول أحداثًا معاصرة وحساسة، من الطبيعى أن يثير ردود أفعال متباينة، وربما اعتراضات أيضًا، ونحن كفريق عمل كنا مدركين منذ اللحظة الأولى أن المشروع قد يواجه انتقادات أو هجومًا، لأن الاقتراب من هذه المنطقة ليس أمرًا عاديًا بالنسبة للبعض.لم يكن تركيزنا منصبًا على ردود الأفعال بقدر ما كان منصبًا على مسئوليتنا الفنية والإنسانية؛ فنحن لم نصنع عملًا تحريضيًا، بل قدمنا حكاية إنسانية عن أناس يتمسكون بأرضهم وبيوتهم وذكرياتهم، وعندما تلتزم بالإنسان أولًا يصبح موقفك أوضح وأقوى.إذا وجدت أى انتقادات أو اعتراضات، فهى جزء من طبيعة الصراع حول السرديات؛ فالكيان دائمًا يسعى لفرض روايته، ونحن اخترنا أن ننحاز للرواية الإنسانية، بعيدًا عن الشعارات أو التحريض، وأعتقد أن الفن حين يكون صادقًا لا يخشى الهجوم، لأنه لا يعتمد على الضجيج، بل على عمق الفكرة.وفى النهاية، العمل قدم لتسليط الضوء على معاناة إنسانية حقيقية ومن حق أى طرف أن يعبر عن رأيه، لكن من حقنا أيضًا أن نقدم رؤيتنا الفنية كما نراها، طالما أنها لا تتجاوز حدود الأخلاق ولا تحرض على الكراهية.■ كيف تصف تعاونك مع المخرج بيتر ميمى؟- أحب العمل مع بيتر ميمى لأنه دائم التطور، ولديه رؤية متجددة، وفى هذا المشروع تحديدًا كان واعيًا جدًا بحساسية الموضوع، ولم يكن يبحث عن مشاهد صادمة بقدر ما كان يبحث عن لحظات إنسانية حقيقية، وهذا النوع من الإخراج يمنح الممثل مساحة آمنة ليقدم أفضل ما لديه.■ كيف كان التعاون مع الفنانة منة شلبى؟- منة شلبى فنانة تمتلك حساسية عالية جدًا، والعمل معها فى مشروع بهذا الثقل كان مهمًا، لأننا كنا بحاجة إلى طاقة تمثيلية قادرة على حمل المشاعر الثقيلة دون افتعال، والتناغم بيننا ساعد فى تقديم مشاهد إنسانية صادقة، بعيدة عن المبالغة.■ ما رأيك فى التعاون مع الفنان الفلسطينى كامل الباشا؟- أحببت العمل مع فنان بقيمة كامل الباشا، الذى يعتبر إضافة حقيقية لأى مشروع؛ فهو ممثل يمتلك عمقًا إنسانيًا وتجربة حياتية تنعكس بوضوح فى أدائه، ووجوده فى موقع التصوير يمنح المشهد ثقلًا خاصًا، لأنه لا يعتمد فقط على التقنية، بل على إحساس حقيقى نابع من تجربة حياتية.والتعامل معه كان سلسًا ومليئًا بالاحترام المتبادل، وكنا نتبادل النقاش حول التفاصيل الدقيقة للشخصيات، ونتحدث كثيرًا عن الخلفيات النفسية لكل مشهد، وأكثر ما يميزه أنه يمنحك مساحة آمنة كممثل ويستمع جيدًا، ويهتم بأن يخرج المشهد فى أفضل صورة ممكنة للجميع لا لنفسه فقط.وأعتقد أن وجود فنانين فلسطينيين مثل كامل الباشا داخل العمل منح التجربة صدقًا إضافيًا، لأنهم يحملون الوجع والتاريخ فى ذاكرتهم الشخصية، وهذا ينعكس تلقائيًا على الأداء، وبالنسبة لى كانت تجربة غنية ومهمة وأعتبرها من أبرز مكاسب صحاب الأرض.■ كيف أثّرت عليك هذه التجربة؟- تركت فى نفسى أثرًا عميقًا وجعلتنى أكثر وعيًا بثقل الكلمة والصورة، وأكدت لى أن الفن الحقيقى ليس مجرد مهنة، بل مسئولية، وحين تقترب من وجع الناس، عليك أن تفعل ذلك باحترام كامل.   

زيارة مصدر الخبر