اليوم السابع, مقالات 25 فبراير، 2026

حين يجرب الإنسان لحظة عجز حقيقية، أو يقف أمام باب لا يملك مفاتيحه، يدرك أن القوة وحدها لا تكفى، وأن المعرفة وحدها لا تكفى، وأنه محتاج إلى من يتولى أمره حين تعجز إرادته، ويهديه حين تختلط الطرق، ويحفظه حين تتكاثر المخاوف، ومن هنا يكتسب اسم الله “الوكيل” معناه، فهو اسم يرتبط بالاعتماد والاطمئنان، لا بالتخلي، وبالتسليم القائم على اليقين لا على الاضطرار.

اسم الله الوكيل من أكثر الأسماء ورودًا فى القرآن بصيغة الاسم والصفة والفعل، ومن ذلك، “وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا” (الأحزاب: 3)، “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” (آل عمران: 173)، “اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ” (القصص: 28)، “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَى الَّذِى لَا يَمُوتُ” (الفرقان: 58)، “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ… وَكُنَّا لَهُمْ وَاقِينَ” (الأنبياء: 73).

اسم الله الوكيل فى اللغة، فى لسان العرب لابن منظور، مادة (وكل)، “الوَكِيل: القائم بالأمر، الكافي، المُتَكفِّل، ومن صفات الله: الوكيل، وهو الذى يُفَوَّضُ إليه الأمر، ويُعتمد عليه”، وفى تهذيب اللغة للأزهري: “الوكيل هو الضامن لأرزاق العباد، المتكفل بمصالحهم”، وفى المفردات للراغب الأصفهاني: “التوكيل: اعتماد الإنسان على غيره، والوكيل فى حق الله هو الذى تفوض إليه الأمور كلّها.”

أما اسم الله الوكيل عند المفسرين، فيقول الطبرى فى تفسير قوله تعالى “وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا”، “الوكيل: الكافي، الحافظ، القائم على عباده بما يصلحهم”، يقول ابن كثير فى تفسير “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”، “أي: الله كافينا وهو نعم المولى والنصير”، ويقول السعدى فى تفسيره، “الوكيل: هو الذى يتولى عبده فى كل شأنه، ويكفيه، ويغنيه، ويحفظه، ويقضى حاجاته”، ويذهب البغوى إلى أن “الوكيل: المتكفل بأمور خلقه، الضامن لأرزاقهم”.

وعن اسم الله الوكيل فى كتب العقيدة، يقول الغزالى فى “المقصد الأسنى”، “الوكيل هو الذى تفوّض إليه الأمور فيكفى العبد، ويقضى حاجته، ويغنيه من حيث لا يحتسب”، ويرى ابن القيم فى “مدارج السالكين”، “التوكّل جامع لمقامات الدين، والوكيل هو الذى يقوم على عبده، فإن فوّض إليه أمره تولّاه، وكفاه، وكان حسبه”، ويؤكّد ابن القيم أن كمال التوكل قائم على ثلاثة أمور، الثقة بحكمة الله، الاعتماد على قدرته، الرضا بما يختاره لعبده.
ومن هنا فإن اسم الله الوكيل، الكافى الذى لا يحتاج معه العبد إلى سواه، الحافظ الذى يتولى عباده بعلمه وقدرته، الضامن لأرزاقهم وأقدارهم، المتكفّل بمن لجأ إليه واعتمد عليه حق الاعتماد، وكل هذه المعانى ثابتة بنص القرآن والسنة وإجماع أهل التفسير.

أثر اسم الله الوكيل فى التجربة الإنسانية، يشعر الإنسان بمعنى اسم الله الوكيل على ثلاثة مستويات، فى لحظات الضعف، حين تتزاحم المسئوليات، ويشعر المرء بأنه لا يستطيع حمل كل هذا وحده، يتذكر: “وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا” فيستعيد طمأنينة الداخل، وفى لحظات القلق من المستقبل، اسم الوكيل يذكّر العبد أن الغد ليس مجهولًا بالنسبة لله، وأن المستقبل تحت علمه وتدبيره، لا تحت خوف الإنسان، فى لحظات الخسارة، حين تفلت الأشياء من يد الإنسان، لا يعنى ذلك أنه بلا سند، بل يعنى — كما يقول ابن القيم — أن “ما فقد كان لا يصلح لك، وما بقى هو الذى يصلحك”.

إن الوكالة الإلهية لا تعنى ترك العمل، بل تعنى الجمع بين، الأخذ بالأسباب كاملة، والاعتماد على الله قلبًا وروحًا، وهو ما عبّر عنه النبى ﷺ بقوله “اعقِلْها وتوكَّل” (سنن الترمذي).

اسم الله “الوكيل” يعلم الإنسان أن الاعتماد الحقيقى لا يكون على يدٍ بشرية قابلة للارتجاف، بل على قدرة إلهية لا تفنى ولا تنقص، وأن السكينة ليست فى السيطرة على كل شيء، بل فى أن تدرك أنك تحت رعاية من لا يغيب عنه شيء.
فاللهم تولى أمرنا، واكفِنا، وكن لنا وكيلاً ونصيرًا.

زيارة مصدر الخبر