في مثل هذا اليوم عام 1533، ولد الفيلسوف والكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين في قصر عائلته جنوب غرب فرنسا، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الأصوات الفكرية في أوروبا القرن السادس عشر، وصاحب العمل الذي أسس لفن أدبي جديد عرف باسم “المقالة” من خلال كتابه الشهير “المقالات”.
نشأة ميشيل دي مونتين
نشأ ميشيل دي مونتين في أسرة تنتمي إلى طبقة النبلاء الإداريين، وكان والده عمدة مدينة بوردو، وتلقى تعليمه الأول باللغة اللاتينية في المنزل، قبل أن يدرس القانون ويلتحق بسلك القضاء، حيث عمل عضوًا في برلمان بوردو، وهو من أعلى الهيئات القضائية في فرنسا آنذاك.شكلت صداقته بالفيلسوف والكاتب إتيان دو لا بويسي محطة مؤثرة في حياته، إذ وصفها لاحقًا بأنها صداقة “كاملة وغير قابلة للتجزئة”. وبعد وفاة صديقه عام 1563، بدأ مونتين يميل إلى العزلة والتأمل، قبل أن يعتزل العمل العام نهائيًا عام 1571 ويتفرغ للقراءة والكتابة في برج مكتبته داخل قصر العائلة.
“المقالات”.. ولادة فن أدبي جديد
بين عامي 1571 و1580، شرع مونتين في كتابة الجزأين الأولين من “المقالات”، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1580، ولم تكن هذه النصوص دراسات فلسفية بالمعنى التقليدي، بل تأملات شخصية حملت عنوانًا دالًا: “محاولات”، فقد أراد مونتين أن يختبر أفكاره ويعرضها كما تتشكل، بلا ادعاء يقين أو بناء نظري مغلق.كتب عن نفسه بجرأة غير مألوفة في عصره، مؤكدًا: “أنا نفسي مادة كتابي”، وتناول موضوعات متعددة مثل الصداقة، التربية، المرض، الموت، العادات، والحروب الدينية التي عصفت بفرنسا بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد عكس في كتاباته شكًا فلسفيًا عميقًا، لكنه لم يكن إنكارًا للحقيقة بقدر ما كان حذرًا من الادعاءات المطلقة.
ميشيل دي مونتين.. شاهد على زمن الاضطرابات
عاش مونتين في مرحلة شهدت صراعات دينية وسياسية عنيفة مزّقت فرنسا، ورغم اعتزاله النسبي، ظل حاضرًا في الشأن العام، إذ انتخب عمدة لبوردو عام 1581 وشغل المنصب لفترتين، كما قام بمهام وساطة بين أطراف الصراع، ساعيًا إلى الحفاظ على قدر من التوازن في مدينته.سافر أيضًا عبر عدد من الدول الأوروبية، ودوّن مشاهداته في “يوميات الرحلة”، التي نشرت بعد وفاته بقرون، وقد أبدى اهتمامًا خاصًا بسكان “العالم الجديد”، منتقدًا قسوة الأوروبيين في تعاملهم مع الشعوب الأصلية، ومبرزًا فكرة نسبية العادات والثقافات.
أثر ممتد عبر القرون
لم تستقبل “المقالات” دائمًا بالفهم نفسه؛ فقد رآه بعض معاصريه مفكرًا متأثرًا بالرواقية، بينما انتقده آخرون بسبب نزوعه الشكي، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر اعتبر تمهيدًا لفكر التنوير، فيما رأى فيه جان جاك روسو نموذجًا مبكرًا للاعتراف الذاتي الصريح.ترجمت أعماله إلى الإنجليزية مطلع القرن السابع عشر، وقرأه عدد من كبار الأدباء والفلاسفة الأوروبيين.