في لحظات التحول الكبرى، لا تبحث الدول عن مجرد مسؤول يدير الملفات، بل عن عقلٍ يرى أبعد من الجغرافيا، وقلبٍ يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا نخبويًا، بل أمنٌ قومي ناعم، وجسرُ عبورٍ إلى المستقبل.
ومن هنا، تبدو الدكتورة جيهان زكي اختيارًا يتجاوز حدود المنصب إلى أفق المشروع.
جيهان زكي ليست اسمًا جديدًا على المشهد الثقافي الدولي، بل هي واحدة من الوجوه المصرية التي عرفت كيف تخاطب العالم بلغته، وتدافع عن حضارة عمرها سبعة آلاف عام بثقة الباحث العميق ورشاقة الدبلوماسي المحترف. مسيرتها في المحافل الدولية، وعلاقاتها الواسعة بالمؤسسات الثقافية العالمية، تمنح الثقافة المصرية اليوم فرصة حقيقية للعودة إلى مسرح التأثير لا الاكتفاء بالمشاهدة.
التحدي الأكبر أمام أي وزير ثقافة في مصر ليس في إدارة المسارح أو المعارض، بل في إعادة تعريف دور الثقافة في وعي المجتمع.
فمصر التي أنجبت طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ، لا يليق بها أن تتراجع عن موقعها كقوة ثقافية إقليمية.
جيهان زكي تنتمي إلى مدرسة تؤمن بأن الثقافة مشروع وعي، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول عن الدولة. وهي تدرك أن معركة الهوية اليوم لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة، وبالفن، وبالكتاب، وبالدراما، وبالمحتوى الذي يصل إلى الشباب بلغتهم دون أن يتنازل عن عمقه.
ومن هنا، يمكن أن نشهد في عهدها إعادة صياغة للعلاقة بين الثقافة والتعليم، بين الثقافة والإعلام، وبين الثقافة والاقتصاد الإبداعي. لأن الثقافة لم تعد مجرد إنتاج فكري، بل صناعة قائمة بذاتها، تخلق فرص عمل، وتبني صورة ذهنية للدولة، وتفتح أسواقًا جديدة للمنتج المصري.
الميزة الجوهرية في شخصية جيهان زكي أنها لا تنظر إلى العالمية بوصفها انفصالًا عن الجذور، بل امتدادًا لها.
فمن يعرف تجربتها الدولية يدرك أنها تحمل مصر في خطابها أينما ذهبت، لكنها في الوقت ذاته تدرك أهمية أن تنفتح الثقافة المصرية على تيارات العالم المعاصر.
وهنا يكمن الرهان:
أن تتحول الوزارة إلى منصة تفاعل حضاري، تستعيد الريادة العربية، وتؤسس لشراكات دولية حقيقية، وتعيد للقاهرة موقعها الطبيعي كعاصمة للثقافة العربية.
الوزراء العابرون يتركون ملفات… أما أصحاب الرؤية فيتركون أثرًا.
والرهان على جيهان زكي ليس رهانًا على اسم، بل على فكرة:
أن الثقافة قادرة على أن تكون محورًا استراتيجيًا في رؤية الدولة المصرية 2030، لا مجرد قطاع خدمي.
نحن بحاجة اليوم إلى رؤية ثقافية شاملة تجعل من رقمنة التراث أولوية وطنية، بحيث يُقدَّم الموروث المصري للعالم بروح عصرية ولغة رقمية تليق بقيمته الحضارية، وإلى دعم حقيقي للصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها رافدًا اقتصاديًا وقوة ناعمة في آنٍ واحد، مع تمكين الشباب من أدوات التعبير الحديثة ومنصات الابتكار التي تمنحهم مساحة للمشاركة لا المشاهدة فقط، وإعادة الاعتبار لدور قصور الثقافة في المحافظات لتعود منابر إشعاع معرفي وفني تصل إلى كل بيت مصري، بالتوازي مع توسيع الحضور المصري في المعارض والمهرجانات الدولية حتى تستعيد القاهرة موقعها الطبيعي كعاصمة للإبداع العربي وواجهة ثقافية مؤثرة على خريطة العالم.
وكلها ملفات تتطلب عقلًا يجمع بين الأكاديمية والخبرة الدولية، وبين الحس الوطني والانفتاح العالمي.
وإذا كانت السياسة تصنع اللحظة، فإن الثقافة تصنع الذاكرة.
ومصر لا تحتاج إلى ذاكرة جديدة، بل إلى من يعيد إحياء ذاكرتها العظيمة بلغة العصر.
جيهان زكي تمثل هذا المعنى؛ شخصية دولية الهوى، مصرية الانتماء، تؤمن بأن القوة الناعمة ليست شعارًا بل استراتيجية.
وإذا أحسنت إدارة هذا الملف، فإننا قد نشهد عودة حقيقية لزمن التأثير المصري، لا بالصوت العالي، بل بالفعل الهادئ العميق.
الثقافة في مصر ليست وزارة… بل رسالة.
ومن يحمل الرسالة عليه أن يدرك أن التاريخ لا يرحم، لكنه يُنصف من يملكون الرؤية.
ولعلنا أمام وزيرة تدرك أن الثقافة ليست هامش الدولة… بل قلبها النابض.