اليوم السابع, ثقافة 5 مارس، 2026

خلف أسوار الصمت الصوفي، وبينما كان جلال الدين الرومي يسكب دم قلبه في نهر من الوجد، لم يكن يكتب للناس، بل كان يكتب لنفسه، وللعشاق، وللمعشوق الأزلي الأبدي، هناك، حيث تتوارى العبارة ويعلو الاحتراق، وُلد “ديوان شمس الدين تبريزي”؛ أو “الديوان الكبير”، بوصفه واحدًا من أعمق تجليات التجربة الصوفية في الشعر الإنساني.

مختارات من ديوان شمس الدين تبريزى.. حين صار التلميذ صوتًا لأستاذه

مختارات من ديوان شمس الدين تبريزي

هذا العمل الضخم، الصادر عن المركز القومي للترجمة في جزأين تحت عنوان “مختارات من ديوان شمس الدين تبريزي”، بترجمة وتقديم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، لا يُقرأ بوصفه تجميعًا لقرابة ستين ألف بيت من الغزل والرباعيات والقصائد، بل بوصفه سيرة عشق كاملة لا تغادر موضوعها، فمهما تنوّعت الأشكال، يظل الجوهر واحدًا: العشق في جميع أحواله وصروفه، في وجدِه وجنونه، في موسيقاه التي لا تهدأ، وفي فكره السامي الذي يتجاوز حدود اللغة ذاتها.

 

الديوان كتابة للنفس

كان مولانا، وهو ينظم هذا العمل الشعري الهائل، يكتب لمريديه، لكنه في لحظات الاسترسال كان يتوقف عند تخوم لا ينبغي البوح بها، كأن الكلمات تبلغ حافة السر فتلوذ بالصمت. فالديوان، في جوهره، كتابة للنفس، وكتابة للعشاق، وكتابة لذلك المعشوق الذي لا يحد باسم ولا يختزل في صورة.

 

شمس الدين التبريزي

وفي تجل فريد لروح التلمذة الصوفية، اختار الرومي أن يضع اسم شيخه ومرشده شمس الدين تبريزي على ديوانه، لا مجاملةً ولا تقليدًا، بل لأن شمس كان عنده مظهر العشق وتجليه الحي، واليد الآخذة إلى الطريق، والمرآة التي انعكس فيها السر، حتى إن الاعتقاد الذي شاع طويلًا بأميّة شمس أعيد النظر فيه بعد اكتشاف كتابه “المقالات”، بما كشف عنه من لغة راقية مكثفة تضاهي الشعر المنثور في حرارة وجدها.

إن هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم هو “مقتطفات من دمِ القلب”، نصوص قد يفسدها الشرح وتحد منها الترجمة، لكنها تمنح القارئ قبسًا من الحقيقة، وغيضًا من فيض الوجد الذي عاشه مولانا.

فمن أراد أن يرى كيف يتحول الفكر السامي إلى حريق، وكيف ينطق الصمت بلسان ستين ألف بيت.. فليقف أمام هذا الديوان، وليترك لقلبه عناء التفسير.

زيارة مصدر الخبر