مع حلول التاسع من مارس من كل عام، تستعيد مصر ذكرى يوم الشهيد، ذلك اليوم الذي يقف فيه المصريون إجلالًا لأرواح الأبطال الذين ضحوا بحياتهم دفاعًا عن الوطن.وفي سجل البطولات العسكرية الخالدة يبرز اسم الشهيد العميد إبراهيم السيد محمد إبراهيم الرفاعي، أحد أبرز قادة الصاعقة المصرية وأسطورة العمليات الخاصة في الجيش المصري، والذي ارتبط اسمه بالمجموعة 39 قتال، تلك الوحدة الفدائية التي أرعبت العدو الإسرائيلي خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وسجلت عشرات العمليات البطولية خلف خطوط العدو.لم يكن إبراهيم الرفاعي مجرد قائد عسكري عابر في تاريخ القوات المسلحة، بل نموذجًا فريدًا للقائد المقاتل الذي يقود رجاله من الصفوف الأولى، ويخوض أخطر العمليات بنفسه، حتى أصبح اسمه مرادفًا للشجاعة والإقدام ونجح عبر مسيرته العسكرية في كسب احترام رجاله وثقة قياداته، والأهم من ذلك محبة المصريين الذين رأوا فيه رمزًا للفداء والتضحية.

نشأة بطل في قلب الريف المصري

وُلد الشهيد إبراهيم الرفاعي في السابع والعشرين من يونيو عام 1931 بقرية الخلالة التابعة لمركز بلقاس بالدقهلية، ونشأ في بيئة يغلب عليها الطابع العسكري، حيث كان جده الأميرالاي عبد الوهاب لبيب أحد القادة العسكريين في الجيش المصري، كما كان لخاله دور في العمل العسكري، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في تشكيل شخصيته منذ الصغر.وخلال سنوات شبابه تأثر الرفاعي بالأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، وخاصة حرب فلسطين، الأمر الذي عزز بداخله الرغبة في الالتحاق بالقوات المسلحة لخدمة بلاده والدفاع عن قضايا الأمة العربية.التحق إبراهيم الرفاعي بالكلية الحربية عام 1951 وتخرج فيها ضابطًا عام 1954، لينضم عقب تخرجه إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة للصاعقة المصرية في منطقة أبو عجيلة بسيناء، حيث لفت الأنظار منذ أيامه الأولى بجرأته الشديدة وقدرته العالية على تحمل المهام الصعبة.ولم يمض وقت طويل حتى تم تعيينه مدرسًا بمدرسة الصاعقة، حيث شارك في إعداد وتدريب الأجيال الأولى من مقاتلي هذا السلاح الذي يعد من أقوى وأصعب الأسلحة في القوات المسلحة المصرية.

البطل إبراهيم الرفاعي.. قائد المجموعة 39 قتال وأسطورة الصاعقة المصرية

رسالة مؤثرة من آسر ياسين في احتفالية يوم الشهيد: لن ننسى تضحيات الأبطال

بطولات مبكرة في العدوان الثلاثي وحرب اليمن

شهدت مسيرة إبراهيم الرفاعي العسكرية العديد من المحطات القتالية المهمة، كان أولها مشاركته في الدفاع عن مدينة بورسعيد خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث شارك ضمن القوات التي تصدت للقوات المعتدية وأسهم في تنفيذ عمليات فدائية ضد القوات البريطانية والفرنسية.كما شارك في حرب اليمن، وهي التجربة التي أكسبته خبرات قتالية كبيرة، حيث تولى قيادة كتيبة صاعقة وأظهر شجاعة استثنائية في الميدان، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية إلى ترقيته ترقية استثنائية 1965 تقديرًا لأدائه البطولي في المعارك.

المجموعة 39 قتال.. أشباح سيناء

بعد يونيو 1967 بدأت القوات المسلحة المصرية إعادة تنظيم صفوفها استعدادًا لمعركة استعادة الأرض. وفي الخامس من أغسطس عام 1968 تقرر تشكيل مجموعة صغيرة من المقاتلين لتنفيذ عمليات خاصة خلف خطوط العدو في سيناء.وقع الاختيار على إبراهيم الرفاعي لقيادة هذه المجموعة الفدائية، التي بدأت تنفيذ سلسلة من العمليات الجريئة ضد مواقع العدو الإسرائيلي، وكانت أولى عملياتها نسف قطار عسكري للعدو في منطقة الشيخ زويد، ثم تدمير مخازن الذخيرة التي استولى عليها العدو بعد حرب 1967.وبعد نجاح تلك العمليات أُطلق رسميًا على الوحدة اسم “المجموعة 39 قتال” في 25 يوليو 1969، لتصبح واحدة من أشهر الوحدات الخاصة في تاريخ الجيش المصري.نفذت المجموعة عشرات العمليات العسكرية الناجحة خلف خطوط العدو، من بينها أسر أول ضابط إسرائيلي ونقله إلى القاهرة، والاستيلاء على صواريخ أرض أرض من مواقع العدو، إضافة إلى تدمير منشآت عسكرية ومخازن ذخيرة ومطارات في سيناء.

الثأر للفريق عبد المنعم رياض

من أبرز العمليات التي قادها إبراهيم الرفاعي عملية الثأر لاستشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الذي استشهد في التاسع من مارس عام 1969 أثناء تفقده مواقع القوات المصرية على الجبهة.كلفت القيادة العسكرية الرفاعي بتنفيذ عملية نوعية ضد الموقع الإسرائيلي الذي خرجت منه القذائف، فقام بإعداد خطة محكمة لتنفيذ الهجوم.وفي السابع عشر من أبريل 1969 تسللت المجموعة 39 قتال عبر قناة السويس تحت غطاء من نيران المدفعية المصرية، وتمكنت من اقتحام موقع “المعدية رقم 6” المعروف بلسان التمساح، حيث دمرت الموقع بالكامل وقتلت جميع من فيه من الجنود الإسرائيليين ورفعت العلم المصري فوقه، في عملية أصبحت واحدة من أشهر عمليات حرب الاستنزاف.

بطولات في حرب أكتوبر

مع اندلاع حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 واصل إبراهيم الرفاعي قيادة رجاله في تنفيذ المهام الصعبة خلف خطوط العدو، حيث شاركت مجموعته في تدمير آبار البترول في منطقة بلاعيم شرق القناة لمنع العدو من الاستفادة منها.كما نفذت المجموعة عمليات ناجحة ضد مواقع العدو العسكرية وأسهمت في تدمير عدد من طائراته ومعداته.وخلال أحداث ثغرة الدفرسوار قاد الرفاعي ومجموعته عملية جريئة لتفجير المعبر الذي أنشأه العدو الإسرائيلي على القناة في محاولة لوقف تقدمه.

استشهاد الأسد في ساحة القتال

في التاسع عشر من أكتوبر 1973، وخلال معركة شرسة في منطقة فايد أثناء مواجهة القوات الإسرائيلية، سقطت إحدى دانات مدفعية العدو بالقرب من موقع الرفاعي فأصابته شظية قاتلة.ورغم إصابته رفض الانسحاب من موقعه، وأصر على أن يواصل رجاله القتال دفاعًا عن الوطن، ليصعد شهيدًا في يوم الجمعة وهو صائم، بعد مسيرة طويلة من البطولات والتضحيات.وباستشهاد إبراهيم الرفاعي فقدت القوات المسلحة أحد أبرز قادتها الميدانيين، لكنه ترك خلفه إرثًا من البطولات سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.

زيارة مصدر الخبر