بوابة الشروق, ثقافة 10 مارس، 2026

– الله يأمر نبيه من فوق سبع سموات: «قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرُ»- ورقة بن نوفل يصيح: قدوس قدوس والذى نفسى بيده إنك لنبى هذه الأمة- الرسول يدخل مكة فاتحًا قبل أن يحج إلى البيت الحرام مودعًا- المصطفى يصدر عفوًا عامًا عن قريش وأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»- المؤلف يجرى مقارنة بين الأسس المادية والروحية فى الحضارتين الإسلامية والغربية

حظيت سيرة الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم باهتمام بالغ على مدى مئات السنين، ولا تزال تلقى العناية نفسها من المسلمين وغير المسلمين على السواء، لما كان لدعوته إلى الله من الأثر الأعظم فى مسيرة البشرية منذ بعثته فى نهاية القرن السادس الميلادى وحتى اليوم.
وبالضرورة فإن الكتابات التى تناولت حياة النبى وبعثته، وما مرت به الدعوة إلى الإسلام فى مكة والمدينة، وصراع المسلمين مع كفار قريش، شهدت روايات كثيرة، منها ما اتسم بالدقة، ومنها ما شابه الدس والتلفيق، وهو ما استدعى تصدى العلماء والمفكرين لها بالبحث العلمى لتمحيصها، ومحو ما علق بها من أكاذيب، وإجلاء الصحيح من الأحداث بأسانيد لا تقبل التشكيك.
وإلى هذا النوع من الكتابات ينتمى كتاب «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل (1888–1956)، القانونى والمؤرخ والأديب والسياسى الذى تولى الوزارة أكثر من مرة، والصادر فى طبعة حديثة عن دار الشروق، بتقديم للدكتور محمد مصطفى المراغى شيخ الجامع الأزهر (1881–1945)، الذى وصف الكتاب بأنه «عقد منضد وسلسلة متينة محكمة الحلقات» فى تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض.
يمضى بنا الدكتور محمد حسين هيكل فى رحلته مع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصل إلى المرحلة التالية من حياة النبى الأكرم التى تلت نزول الوحى فى غار حراء، فيذكر أنه عندما شارف الأربعين كان يذهب إلى حراء ليتعبد كعادته، فجاءه جبريل عليه السلام وهو نائم فى الغار وفى يده صحيفة، وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)، فقرأها، وانصرف الملك عنه وقد نقشت فى قلبه.
ولكنه ما لبث أن استيقظ فزعًا، فأسرع إلى خديجة وهو يقول: «زملونى زملونى»، فزملته وهو يرتعد كأن به الحمى، فلما ذهب عنه الروع نظر إلى زوجه نظرة المستنجد وقال: يا خديجة ما لى؟ وحدثها بما رأى، وأفضى إليها بمخاوفه من أن تخدعه بصيرته أو أن يكون كاهنًا، وكانت خديجة ـ كما كانت فى أيام تحنثه فى الغار ـ ملاذ الرحمة وموضع السكينة لهذا القلب الكبير القلق، فلم تبد خوفًا ولا ريبة، بل نظرت إليه فى إكبار وقالت: «أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة، والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق».

طلعت إسماعيل يكتب: حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل.. قراءة بعين العقل والعلم للسيرة النبوية الشريفة (3-3)

«يا أيها المدثر»

نام محمد وحدقت فيه خديجة وقد امتلأ قلبها إشفاقًا وأملًا، فلما رأته يستغرق فى نوم مطمئن تركته، وأخذت تقلب فى نفسها ما سمعت، وترجو أن يكون زوجها نبى هذه الأمة التى غرقت فى الضلال، يهديها إلى الحق ويدلها على الصراط المستقيم.
فانطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر وعرف الإنجيل، فلما أخبرته بما رأت وما سمعت، وقصت عليه حديث محمد، أطرق مليًا ثم قال: «قدوس قدوس، والذى نفسى بيده لئن كنت صدقتِنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت».
وعادت خديجة فوجدت محمدًا لا يزال نائمًا، فحدقت فيه وكلها حب وإخلاص، وبينما هو فى سكون نومه إذا به يضطرب ويثقل تنفسه ويتصبب العرق من جبينه، ثم قام ليستمع إلى الوحى:﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: 1-7).
فازداد قلب خديجة إشفاقًا عليه، وتقدمت إليه فى رقة ترجوه أن يعود إلى فراشه ليستريح، فقال لها ـ كما يروى هيكل ـ إن عهد النوم والراحة قد انقضى، فقد أمره جبريل أن ينذر الناس ويدعوهم إلى عبادة الله، ثم تساءل: من ذا أدعو؟ ومن ذا يستجيب لى؟ فهونت خديجة عليه، وقصت عليه ما قاله ورقة، ثم أعلنت إيمانها به وتصديقها لرسالته.
وخرج محمد بعد ذلك يومًا يطوف بالكعبة، فلقيه ورقة بن نوفل، فلما قص عليه ما حدث قال: «والذى نفسى بيده إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتُكَذَّبنَّ ولتؤذينَّ ولتُخرجنَّ ولتُقاتلنَّ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه».

فتح مكة والعفو عند المقدرة

بعد هذه المرحلة ينتقل الكتاب فى فصوله ـ التى تجاوزت الثلاثين فى نحو ستمائة صفحة ـ بين مراحل الدعوة فى مكة، وما لاقاه المسلمون من أذى وتعذيب، ثم الهجرة إلى المدينة، وانتشار الإسلام، حتى جاءت لحظة فتح مكة بعد سنوات حافلة بالأحداث.
تحرك جيش يضم ألوف المسلمين من المدينة إلى مكة، بعد معارك وغزوات كثيرة، ليضع يده على البيت الحرام الذى جعله الله مثابة للناس وأمنًا. ونزل النبى بأعلى مكة قبالة جبل هند، وضربت له قبة على مقربة من قبرَى أبى طالب وخديجة، فدخلها يستريح وقلبه مفعم بشكر الله أن عاد عزيزًا منتصرًا إلى البلد الذى آذاه وأخرجه من بين أهله.

img

وأجال بصره فى الوادى والجبال المحيطة به، التى كان يأوى إلى شعابها حين يشتد به أذى قريش، فترقرقت فى عينه دمعة خضوع وشكر لله، وشعر أن مهمة القائد قد انتهت، فخرج من القبة، وامتطى ناقته القصواء، وسار حتى بلغ الكعبة.
أجال بصره فى الجبال وفى الوادى المبعثرة فيه منازل مكة يتوسطها البيت الحرام، فبلغ من خضوعه لله أن ترقرقت فى عينه دمعة شكر وخشوع، وشعر أن الأمر كله إلى الله، وأن مهمة القائد قد انتهت، فلم يقم فى القبة طويلًا، بل خرج وامتطى ناقته القصواء حتى بلغ الكعبة، فطاف بالبيت سبعًا على راحلته يستلم الركن بعصا فى يده.
فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة، فوقف النبى على بابها وقد تكاثر الناس فى المسجد، فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل بكم؟قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم.قال: «فاذهبوا فأنتم الطلقاء»، وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن قريش وعن أهل مكة جميعًا.

الإسلام والغرب

وعقب استعراضه لما جرى بعد فتح مكة، وعودة الرسول إلى المدينة قبل أن يحج إلى بيت الله الحرام فى حجة الوداع فى العام العاشر من الهجرة، وما تلا ذلك من الأيام الأخيرة فى حياته صلى الله عليه وسلم، اختتم الدكتور محمد حسين هيكل كتابه بمبحثين: أحدهما عن الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن، والآخر رد على آراء المستشرقين فى حضارة الإسلام.
ويقول إن الحضارة الإسلامية قامت على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، كما قامت الحضارة الغربية الحديثة على أسس علمية، غير أن الإسلام ـ من حيث هو دين ـ يستند إلى التفكير الذاتى وإلى المنطق التجريدى، ومع ذلك تظل الصلة وثيقة بين الدين والحضارة، لأن الإسلام يربط بين التفكير المنطقى والشعور الذاتى، وبين قواعد العقل وهدى العلم برابطة لا مفر للمسلم من البحث عنها والاهتداء إليها ليظل إيمانه ثابتًا.
ويشير إلى أن حضارة الإسلام تختلف عن الحضارة الغربية المتحكمة فى العالم من حيث تصور الحياة والأساس الذى يقوم عليه هذا التصور، وأن الاختلاف بينهما جوهرى إلى الحد الذى يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذى تقوم عليه الأخرى.

مرجع الاختلاف

ويرجع المؤلف هذا الاختلاف إلى أسباب تاريخية، منها النزاع فى الغرب المسيحى بين السلطتين الدينية والزمنية، أى بين الكنيسة والدولة، وهو ما انتهى إلى الفصل بينهما، وإقامة سلطان الدولة على إنكار سلطان الكنيسة، وكان لذلك أثره فى التفكير الغربى، فترتب عليه التفريق بين الشعور الإنسانى والعقل الإنسانى، وبين منطق العقل المجرد ومقررات العلم القائم على الملاحظة المادية.
ويضيف أن انتصار التفكير المادى كان له أثر بالغ فى قيام النظام الاقتصادى أساسًا للحضارة الغربية، ولم يقف أثره عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة قواعد الأخلاق على أسس نفعية مادية بحتة، ورأت فى المنفعة المشتركة أساسًا لقواعد السلوك، وعدّت ذلك من مقتضيات البحث العلمى.
أما المسألة الروحية ـ فى نظر الحضارة الغربية ـ فشأن فردى لا يعنى الجماعة، بينما تقوم الحضارة الإسلامية على أساس مغاير، إذ تبدأ بإدراك الإنسان صلته بالوجود ومكانه فيه، فإذا بلغ هذا الإدراك حد الإيمان دعاه إلى تهذيب نفسه وتطهير قلبه، وتغذية عقله وروحه بالمبادئ السامية من الإباء والأنفة والأخوة والمحبة والبر والتقوى، وعلى أساس هذه المبادئ يقوم النظام الاجتماعى والاقتصادى.
وهذا التدرج ـ كما يقرر هيكل ـ هو أساس الحضارة الإسلامية كما جاء بها الوحى، فهى حضارة روحية أولًا، والنظام الروحى فيها أساس النظام الأخلاقى، والمبادئ الخلقية أساس النظام الاقتصادى، فلا يجوز أن يُضحى بشىء من الأخلاق فى سبيل التنظيم المادى.
ويخلص المؤلف إلى أن التصوير الإسلامى للحضارة هو التصوير الجدير بالإنسانية، والكفيل بسعادتها.

زيارة مصدر الخبر