كشفت صحيفة “الجارديان” البريطانية، كواليس المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران قبل اندلاع الحرب الأخيرة.وأضافت أن مزيجًا من سوء الفهم ونقص الخبرة والارتباك في إدارة المفاوضات ساهم في انهيار المسار الدبلوماسي، رغم أن الطرفين كانا قد اقتربا من التوصل إلى اتفاق في عدد من القضايا الرئيسية قبل أيام قليلة من اندلاع المواجهة العسكرية.
الكواليس غير التقليدية للمفاوضات النووية
في خضم سلسلة من الوقائع غير المألوفة التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، برزت حادثة اعتُبرت من أكثر اللحظات غرابة خلال المفاوضات، عندما وجه المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، دعوة إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ليرافقه في زيارة إلى مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن، برفقة جاريد كوشنر صهر ترامب.وكانت تلك الدعوة مثيرة للاستغراب في نظر العديد من المراقبين، إذ طُلب من “عراقجي” مغادرة المفاوضات الجارية في سلطنة عمان بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني من أجل القيام بجولة على متن سفينة حربية أمريكية أُرسلت إلى الخليج ضمن تحركات عسكرية تستهدف الضغط على الحكومة الإيرانية.اعتُبر هذا المقترح مؤشرًا على الأسلوب غير التقليدي الذي اتبعه كل من كوشنر وويتكوف، في إدارة المفاوضات النووية التي امتدت خلال العام الماضي وبداية هذا العام، والتي توقفت مرتين نتيجة الضربات الجوية التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.
فريق ترامب يخدع الإيرانين
وعبر أحد الدبلوماسيين في منطقة الخليج، المطلعين بشكل مباشر على تفاصيل المفاوضات، عن غضبه الشديد من الطريقة التي أدار بها ويتكوف وكوشنر المحادثات، واصفًا إياهما بأنهما يعملان كأدوات إسرائيلية دفعت الرئيس الأمريكي إلى الدخول في حرب يحاول الآن الخروج منها.وبحسب التقرير، لم يُخف ويتكوف محدودية خبرته في شؤون المنطقة. ففي إحدى مقابلاته الإعلامية أشار إلى مضيق هرمز باسم خليج هرمز، كما اعترف بأن معرفته بالبرنامج النووي الإيراني ليست عميقة، لكنه قال إنه أصبح قادرًا على مناقشة الملف بعد أن قام بدراسته.

عاجل.. إيران تتوعد برد قاسٍ بعد اغتيال لاريجانى: انتقامنا سيجعل أعداءنا يندمون
وخلال 5 جلسات من الجولة الأولى للمفاوضات التي عقدت العام الماضي قبل اندلاع حرب يونيو التي استمرت 12 يومًا، نادرًا ما كان ويتكوف يدون ملاحظات، كما لم يكن يرافقه سوى مايكل أنتون، وهو كاتب ومفكر سياسي معروف بمواقفه المتشددة لكنه لا يمتلك خبرة تقنية في ملف البرنامج النووي الإيراني.وكان من المفترض أن يعتمد أنتون على فريق تقني غير معلن في واشنطن، لكن هذا الفريق لم يشارك فعليًا في جلسات التفاوض، ما أدى إلى غياب الخبرة الفنية المباشرة خلال المناقشات.وفي 6 فبراير عندما استؤنفت المفاوضات في سلطنة عمان، خالف ويتكوف البروتوكول الدبلوماسي حين وصل إلى مسقط برفقة قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر، مرتديًا زيه العسكري الكامل، الأمر الذي أثار دهشة وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي.وطلبت السلطات العمانية من كوبر مغادرة جلسات التفاوض بشكل مهذب.في المقابل، أرسل الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما 10 مسؤولين كبار من أربع مؤسسات حكومية مختلفة للمشاركة في المفاوضات مع إيران في فيينا عام 2009، واستمرت تلك المفاوضات ثلاثة أيام متواصلة تقريبًا، وكان الفريق التفاوضي على اتصال دائم بواشنطن للتشاور حول التفاصيل التقنية للاتفاق.ويرى مراقبون أن فهم أسباب فشل المفاوضات الأخيرة لا يقتصر على البحث التاريخي عن المسؤوليات، بل يتعلق أيضًا بتحديد ما إذا كان من الممكن التوصل مستقبلًا إلى اتفاق نووي محدود أم أن الظروف الحالية تتطلب اتفاقًا أوسع نطاقًا.بعد اندلاع الحرب، برزت مخاوف من أن تتزايد داخل إيران الدعوات إلى امتلاك سلاح نووي، خصوصًا إذا تمكن النظام الإيراني من البقاء. وأثار بيان منسوب إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، تساؤلات بعد أن لم يتطرق إلى الفتوى التي أصدرها والده الراحل علي خامنئي والتي تحظر استخدام الأسلحة النووية.

وزير خارجية إيران يكشف سر الهجمات بالقرب من مناطق حضرية في دول الخليج
وفي الوقت نفسه خرج متظاهرون أمام وزارة الخارجية في طهران مطالبين بعدم العودة إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة.وأشار المشاركون في المفاوضات إلى أن سوء الفهم المتعلق بطبيعة البرنامج النووي الإيراني المعقد لعب دورًا في تعثر المحادثات، بما في ذلك الجدل حول مفاعل طهران البحثي واحتياجاته من اليورانيوم، إضافة إلى نطاق البرنامج النووي المستقبلي لإيران، والعروض المتعلقة بإمكانية مشاركة الشركات الأمريكية في الاقتصاد الإيراني.كما أدى ضغط الوقت إلى تقليص مدة الاجتماعات، إذ عقد ويتكوف في السابع عشر من فبراير محادثات أخرى مع أوكرانيا، ما ترك ثلاث ساعات ونصف فقط للاجتماع مع الوفد الإيراني. وبما أن المفاوضات كانت تجري بشكل غير مباشر بناء على طلب إيران، فأصبحت فترات تبادل الرسائل قصيرة ومحبطة.وقال المسؤولون الإيرانيون لاحقًا إنهم يعتقدون أن المفاوضات كانت مجرد غطاء يهدف إلى منح الولايات المتحدة الوقت لتجميع قواتها العسكرية في المنطقة، وفي المقابل اتهم ويتكوف الإيرانيين بالخداع والمراوغة.وقال أحد الدبلوماسيين الخليجيين إن المزيد من الوقت والخبرة لم يكن ليضمن التوصل إلى اتفاق، لكنه كان سيزيد من فرص النجاح، مضيفًا أن الرواية الإيرانية للأحداث كانت في كثير من الأحيان الأقرب إلى الحقيقة.