تحل، اليوم، ذكرى رحيل ابن خلدون أحد أشهر المفكرين المسلمين، وأحد مؤسسى علم الاجتماع فكيف كانت بداياته وأين ولد وما علاقته بالسياسة والاجتماع، وسنبدأ رحلتنا مع عالم ابن خلدون مع كتاب “حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية” لـ محمد الخضر حسين الذي يقول إنه وُلِدَ في غرة رمضان سنة 732، فكانت نشأة ابن خلدون في أسرة امتطت ذُرَى الرياسة، وخفق فيها روح العلم والأدب؛ ممَّا ساعد ذكاءه الفطري على أن يشتعل بشدة، وجعل نفسه الزكية بمقربة من الهمم الكبيرة.
نشأ ابن خلدون وكانت رياض العلم في مدينة تونس زاهية، وسوق الأدب نافقة، فاستظهر بالقرآن، وتلقَّى فن الأدب عن والده، ثم أقبل يجتني ثمار العلوم بشغف، ويتردَّدُ على مجالسة العلماء الراسخين: مثل قاضي القضاة محمد بن عبد السلام، والرئيس أبي محمد الحضرمي، والعلامة الآبلي. ولم يكد يستوفي سن العشرين حتى تجلت عبقريته، واستدعاه أبو محمد بن تافراكين المستبد وقتئذٍ إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق وهي: “الحمد لله والشكر لله” تكتب بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم، وهذا مبدأ دخول ابن خلدون في حياته السياسية.
مرحلة الشباب والسياسة
في شبابه اقتحم ابن خلدون الحياة السياسية، حيث تولى مناصب فى البلاط الحفصى بتونس، ثم تنقل بين الأندلس والمغرب الأقصى، مما أكسبه خبرة واسعة فى السياسة والمجتمع، إلا أن تقلبات السياسة جعلته يبتعد عنها، فاعتزل فى قلعة قرب تلمسان (الجزائر حاليًا) لمدة أربع سنوات، وهناك كتب أهم أعماله “المقدمة”، التى وضع فيها الأسس الأولى لعلم الاجتماع.
كانت أفكاره سابقة لعصرها بقرون، حتى أن الغرب لم يكتشفوا علم الاجتماع إلا في القرن الـ19 على يد أوجست كونت، لكن ابن خلدون سبقه بفترة طويلة، فعلى الرغم من أنه عاش في القرن الـ14، إلا أن أفكاره لا تزال تُدرَّس حتى اليوم فى جامعات العالم، وقد اعترف كبار المفكرين الغربيين مثل الفيلسوف أرنولد توينبى بعبقريته، حيث وصفه بأنه “أعظم مؤرخ أنجبته البشرية”، كما استخدم المفكرون الأوروبيون نظرياته كأساس لدراسة المجتمعات الحديثة.
لم يكن ابن خلدون مجرد مؤرخ، بل كان عالم اجتماع، سياسى، اقتصادى، وفيلسوف سبق زمانه بمئات السنين، وأفكاره حول الدولة، الاقتصاد، والمجتمع لا تزال صالحة للتطبيق حتى يومنا هذا، مما يجعله واحدًا من أعظم العقول فى التاريخ الإسلامى والعالمى.