رحل مساء أمس الكاتب والباحث في التراث الغنائي عصمت النمر، الذي يعد أحد أبرز حراس تراث الأغنية المصرية والعربية؛ وذلك بما قدمه من منجزٍ في جمع وتقديم تراثها، في السطور التالية يحدثنا الكاتب الصحفي والناشر علي راشد عن لقائه الأول بعصمت النمر.قال علي راشد، صاحب دار “المحرر” وناشر الكاتب والباحث الراحل عصمت النمر، في تصريح خاص لـ “الدستور”: “في منتصف عام 2022 كانت دار المحرر في طور التأسيس، وفي البداية كنت أبحث عن نوعيات معينة من الكتب، ومنها كتب التراث النادرة والتاريخ المهمل الذي لم يتناوله أحد. وفي رحلة بحثي وجدت منشورًا على “فيسبوك” نشره صديق من صفحة الدكتور عصمت النمر، ولم يكن النمر يعرفني شخصيًا أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي. حينها كنت قد تحدثت مع كتاب كبار ومؤرخين حول كتب تراثية يرشدونني إليها لنشرها، ولم يفدني أحد، حتى وإن كان لديهم هذه الكتب في مكتباتهم. ومن هنا فكرت في تجربة الحديث مع د. عصمت، وقلت إنه لن يتجاوب معي. أضفته على “فيسبوك” وأرسلت له رسالة طلبت فيها ترشيح بعض الأعمال التي يمكن إعادة طباعتها من تراث نادر لم يُنشر”.وتابع راشد: “كانت المفاجأة الأولى في الرد الإيجابي منه، وأنه سيختار لي مجموعة أختار منها، والمفاجأة الثانية أنه أرسل مجموعة كبيرة من أرشيفه بعد يوم من حديثي معه، وهو ما أسعدني كثيرًا، ثم اخترنا معًا المجموعة الأولى التي قررت نشرها لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2023، وكانت أول مشاركة للدار وانطلاقتها الأولى في المعرض. والكتب كانت: “تاريخ أدب الشعب” لمصطفى الصباحي وحسين مظلوم، و”السيد ومراته في مصر” لبيرم التونسي، و”رحلة إسماعيل” لإسماعيل مصطفى، و”مغاني الجنس اللطيف” لمحمد علي عطية، وكلها كُتبت في بداية القرن العشرين ولم تُطبع بعد ذلك”. 

علي راشد يروى تفاصيل اللقاء الاول بصاحب “عناقيد البهجة”

وداعًا عصمت النمر.. أسرار حارس الذاكرة الشعبية في حوار خاص لـ «الدستور»

“كان النمر أرشيفًا يتحرك على الأرض”

وأضاف: “كان النمر أرشيفًا يتحرك على الأرض، حيث كانت صداقته للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، ومعاصرته لهما وللكثير من مبدعي تلك الفترة، أثرها على حديثه وحكاياته. وفي المرة الأولى التي جلست معه فيها، كانت جلسة امتدت لساعات في أحد مقاهي القاهرة، لا أذكر أنني تحدثت فيها سوى كلمات قليلة، فقد كنت أستمع لحكاياته ومواقف عاصرها لكبار المبدعين والفنانين والكتاب والشعراء. لكن أذكر جملة واحدة قلتها له حينها، وهي أنني ندمت أني لم أسجل ما قاله؛ لأنه يصلح لأن يكون كتابًا مرجعًا مؤرخًا لهذه الحكايات. ومع ذلك لم يرَ هو ذلك، وكان يتحدث بتلقائية شديدة عن حكايات تاريخية مر بها ولم يعلمها الكثيرون. فكان رجلًا متواضعًا محبًا لأرشيفه ولمصر وتاريخها الذي يعشقه وفنها. امتلك النمر مئات من الأسطوانات النادرة للموسيقى في بداياتها، وكان لديه العديد منها مع مكتبة ضخمة من الكتب، فكان يملك واحدًا من أكبر أرشيفات الموسيقى والكتب النادرة، وأعتقد أنه اضطر لبيع الكثير منها قبيل وفاته. وكان من مؤسسي موقع “مصر فون”، ومن أكثر المساهمين في منتدى سماعي”.

وداعًا عصمت النمر.. أسرار حارس الذاكرة الشعبية في حوار خاص لـ “الدستور”

وأوضح: “لم يبخل عصمت النمر على أصدقائه وغير أصدقائه من أرشيفه، فالعديد من الرسائل العلمية كان قوامها حديثه وكتبه وأرشيفه، والعديد من الكتب أخذت منه ومن حكاياته، والعديد من البرامج التلفزيونية والأفلام الوثائقية كان اسم المؤرخ الموسيقي عصمت النمر موجودًا عليها كمساهم رئيس في ضبطها، وكانت له مجموعة من المقالات يكتبها في جريدة “الأهرام” حول الفن المصري”.

“طرب زمان.. في تراث النغم” أول كتب عصمت النمر

واستكمل: “حتى عام 2022 ظل النمر دون أن يكتب حرفًا واحدًا في كتاب، وهو ما تعجبت منه، وطلبت منه أن يبدأ الكتابة، فلديه الكثير مما يمكن أن يكون مجلدات ضخمة تثري الحياة الثقافية والأدبية في مصر. وكان رده الدائم: “أنا مش بتاع كتابة”، رغم أنه يملك الكثير. لم ألح عليه كثيرًا، ولكني تمنيت أكثر من مرة أن يكتب. وكانت أسعد مفاجآته لي أن هاتفني يومًا قائلًا إنه أرسل لي كتابه الأول، وسعدت سعادة بالغة، ورغم أنه كان قبيل المعرض بوقت قليل، فإنني عملت على أن يكون موجودًا في أول معرض لنا، وكان كتاب “طرب زمان.. في تراث النغم”، ليزداد شرفي بأن تكون أول أعمال الكبير عصمت النمر مع دار المحرر، وهو شرف كبير وعظيم”.وأشار راشد إلى أن النمر لم يتوقف عن العطاء، قائلًا: “لم يتوقف النمر عن العطاء معي، فكان داعمًا وأبًا في كل المواقف والأزمات، ومساعدًا في توصيلي بالعديد من المؤلفين الكبار، فالنمر هو جزء من الدار، وداعم كبير، وسبب في العديد من الإصدارات المهمة بالدار، والكثير من المؤلفين الذين وافقوا على النشر فقط لثقتهم به، وهو كان يثق بي دون أي مقابل ودون أي سبب، فقط لأنه يريد للثقافة والفن المصري المزيد من الأرشفة والتواجد الدائم”.وأضاف: “ومن الجوانب الأخرى للدكتور عصمت النمر أنه شاعر، ولكنه أيضًا لم ينشر شعره، إلى أن طلبت منه، فنشر ديوان “شيء كهذا يمرن الذاكرة”، ومن الكتب التالية التي نشرتها “المحرر” له “طرب اليهود العرب” (2024)، وآخر أعماله “عناقيد البهجة” (2026)، وهناك أعمال أخرى كنا نعمل عليها، أتمنى لها الظهور”.واختتم راشد تصريحه قائلًا: “في النهاية، لا أقول إلا إن الدكتور عصمت النمر باقٍ معنا في رسائله ومنشوراته وكتبه ودعمه وحبه غير المشروط لكل ما هو مصري”.

زيارة مصدر الخبر