يقدم الباحث عمرو عبد العزيز منير في كتابه «من التاجر إلى الساحر: تحولات صورة اليهود في سيرة الظاهر بيبرس» قراءة مغايرة لصورة اليهود في المجتمع المصري خلال عصر سلاطين المماليك، متتبعًا حضورهم الاقتصادي والاجتماعي، وانعكاس ذلك على الوعي الشعبي، كما تجلى في الأدب والسير الشعبية، وذلك في دراسة تاريخية تتسم بالعمق والتحليل.

الفقر والإحسان بين اليهود.. قراءة في تحولات صورتهم داخل المجتمع المملوكي

مصطفى كامل يؤكد دعمه للدولة ويطالب بحماية النشاط الفني الليلي

الكتاب يسعى إلى تفكيك التمثلات المتناقضة التي ارتبطت باليهود في تلك الفترة

لا ينحاز الكتاب إلى صورة نمطية واحدة، بل يسعى إلى تفكيك التمثلات المتناقضة التي ارتبطت باليهود في تلك الفترة، كاشفًا عن واقع مركب تتداخل فيه الحقيقة التاريخية مع الخيال الشعبي، ومن بين أبرز المحاور التي يتناولها المؤلف، قضية الفقر والإحسان داخل المجتمع اليهودي، والتي تكشف عنها وثائق «الجنيزا» بوصفها مصدرًا تاريخيًا بالغ الأهمية.

تفاوت واضح في الأوضاع الاقتصادية بين يهود مصر

تشير هذه الوثائق، التي تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، إلى تفاوت واضح في الأوضاع الاقتصادية بين يهود مصر، حيث عاش بعضهم في ثراء ملحوظ، بينما عانى آخرون من فقر مدقع دفعهم إلى كتابة التماسات متكررة طلبًا للمساعدة، لم تكن هذه المساعدات مقتصرة على أبناء الطائفة فقط، بل امتدت أحيانًا إلى أثرياء المسلمين والأمراء، في صورة تعكس طبيعة التداخل الاجتماعي في ذلك العصر.

الوثائق تكشف وجود نظام منظم لتوزيع الصدقات داخل المجتمع اليهودي

وتكشف إحدى الوثائق عن وجود نظام منظم لتوزيع الصدقات داخل المجتمع اليهودي، حيث جرى إعداد قوائم بأسماء الفقراء والمعدمين، مقسمة جغرافيًا بين سكان العاصمة والوافدين من أقاليم مختلفة مثل الإسكندرية والشرقية والغربية، فضلًا عن مدن كأشموم ودمياط وقوص، وتظهر هذه القوائم تقسيمًا دقيقًا للفئات وفق قدرتها على دفع الضرائب، ما يعكس وعيًا إداريًا وتنظيميًا داخل الطائفة.غير أن هذه الصورة التنظيمية لا تخفي حجم المعاناة، إذ تشير الوثائق إلى أزمة حقيقية في توفير الغذاء، خاصة للأطفال، الذين عانوا من الجوع وسوء التغذية، وهو ما دفع بعض النصوص إلى دق ناقوس الخطر لإنقاذهم، كما تكشف رسائل فردية، مثل رسالة يهودي فر من القاهرة إلى الإسكندرية هربًا من الديون، عن مآسى إنسانية تعكس هشاشة الوضع الاقتصادي لفئات واسعة.

 

في المقابل، يسلط الكتاب الضوء على ثقافة التكافل داخل المجتمع اليهودي، حيث كانت هناك قواعد صارمة تلزم الأقارب الأثرياء بإعالة ذويهم الفقراء، قبل اللجوء إلى صناديق الصدقة العامة، كما انتشرت عادات اجتماعية مثل توزيع الخبز على المحتاجين كل يوم سبت، في تقليد يعكس البعد الديني والاجتماعي لفعل الإحسان.

إشارات إلى نظرة سلبية تجاه اليهود تتداخل فيها الأحكام الأخلاقية مع التصورات الاجتماعية

غير أن الصورة لا تظل على هذا النحو الإنساني في المصادر الأدبية، إذ ينقل المؤلف نماذج من كتابات معاصرة للعصر المملوكي، مثل ما أورده تاج الدين السبكي في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم»، حيث انتقد سلوك بعض المتسولين، خاصة أولئك الذين يستخدمون عبارات دينية لاستدرار العطف، معتبرًا ذلك خروجًا عن القيم الدينية، وفي هذا السياق، تظهر إشارات إلى نظرة سلبية تجاه اليهود، تتداخل فيها الأحكام الأخلاقية مع التصورات الاجتماعية. وتتجلى هذه الصورة النمطية بشكل أكثر وضوحًا في الأدب الشعبي، كما في أشعار ابن دانيال، الذي قدّم اليهود في صورة البخلاء الذين يمتنعون عن إعطاء الصدقات، حتى تحت وطأة الاستعطاف الديني، ويستخدم الشاعر لغة ساخرة، تعكس نظرة مجتمعية سلبية، ترسّخت عبر التكرار في النصوص الأدبية. لكن المؤلف لا يتوقف عند هذه الصورة الأحادية، بل يبرز التناقضات التي حملتها «سيرة الظاهر بيبرس»، حيث نجد إلى جانب صورة اليهودي البخيل، نموذجًا آخر ليهودي كريم يعمل في التجارة، يمنح الصدقات بسخاء، ويعد بمساعدة المحتاجين، هذا التباين يكشف عن تعددية في التمثيل، تنفي وجود نموذج واحد ثابت.ويعزز الكتاب هذه الفكرة من خلال العودة إلى الوثائق التاريخية، التي تخلو في كثير من الأحيان من الأحكام المسبقة، وتقدم صورة أكثر واقعية وتعقيدًا فاليهود، كما يظهرون في «الجنيزا»، ليسوا مجرد شخصيات نمطية، بل أفراد يعيشون ظروفًا مختلفة، بين الغنى والفقر، بين الكرم والعجز، شأنهم شأن أي جماعة بشرية.

أعمال اعتمدت على وثائق الجنيزا لتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية لليهود

كما يستعرض المؤلف إسهامات دراسات حديثة تناولت هذا الموضوع، مثل أعمال شيلومو دوف جويتين، وموشي جيل، ومارك كوهين، التي اعتمدت على وثائق الجنيزا لتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية لليهود في المجتمعات الإسلامية، مؤكدة على أهمية هذه الوثائق في إعادة كتابة التاريخ بعيدًا عن الصور النمطية. في المحصلة، يقدم «من التاجر إلى الساحر» قراءة نقدية تعيد الاعتبار للتاريخ بوصفه مساحة للتعدد والتعقيد، لا للتبسيط والتعميم، فالكتاب لا يكتفي بتوثيق حضور اليهود في العصر المملوكي، بل يكشف عن كيفية تشكل صورتهم في الوعي الشعبي، بين الواقع والأسطورة، بين الوثيقة والحكاية.  

زيارة مصدر الخبر