شهدت مصر في مطلع القرن العشرين ميلاد حركة الفنون الجميلة الحديثة، التي بدأت على أيدي أساتذة أوروبيين، قبل أن تتخذ مسارًا وطنيًا خالصًا بفضل جهود الرواد والدعم المجتمعي والحكومي.يروي الكاتب الراحل سمير غريب، نقلًا عن كتاب “أحاديث في الفنون الجميلة” للفنان راغب عياد، أن البداية الحقيقية جاءت مع افتتاح أول مدرسة للفنون الجميلة في 12 مايو 1908، بمبادرة من النحات الفرنسي جيوم لابلان، الذي أقنع الأمير يوسف كمال بإنشائها في حي درب الجماميز بالقاهرة.وقد قامت المدرسة على أربعة أقسام: الرسم، والنحت، والعمارة، والزخرفة، وتولى التدريس فيها أساتذة أوروبيون، من بينهم الإيطالي باولو فورشيدا، والفرنسي بيرون، وجيمس كولون، وبذلك، نشأت الحركة التشكيلية الحديثة في مصر بطابع أوروبي واضح، سواء من حيث المناهج أو الكوادر.

دور سعد زغلول وهدى شعراوى فى تمصير الفنون الجميلة

الناقد محمد مستجاب: سمير غريب مشروع ثقافى

يؤكد غريب على أن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما بدأ “تمصير” الفن مع عودة أول بعثة فنية مصرية من أوروبا عام 1928، والتي ضمت أسماء بارزة مثل يوسف كامل ومحمد حسن وأحمد صبري ومحمود مختار، وقد طالب هؤلاء بإحلال الفنانين المصريين محل الأساتذة الأجانب، في خطوة لتأسيس هوية فنية وطنية.هدى شعراوي و”لجنة تشجيع الفنانين”وأشار “غريب” إلى أنه برزت جهود فردية مهمة، حيث توجه محمود مختار إلى الأقصر لدراسة النحت المصري القديم، بينما استلهم محمود سعيد وراغب عياد موضوعاتهم من الحياة الشعبية المصرية، ما أسهم في ترسيخ ملامح الفن المحلي، أما على المستوى الجماعي، فقد لعبت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول دورًا محوريًا في إذكاء الروح الوطنية، وهو ما انعكس على الفنون. ولفت “غريب” إلى أنه  برز دور هدى شعراوي، التي أسست “لجنة تشجيع الفنانين” بمشاركة نخبة من سيدات المجتمع، حيث قامت بشراء نحو 300 عمل فني في أحد المعارض، دعمًا للفنانين الشباب، كما نظمت معارض فنية كان من بينها معرض افتتحه سعد زغلول بنفسه، ولم يقتصر دورها على الدعم المؤسسي، بل امتد إلى الرعاية الفردية، حيث تبنت النحات محمود مختار، وفتحت له أبواب قصرها، كما اقترحت إنشاء متحف خاص له، وهو ما تحقق لاحقًا بافتتاح متحف محمود مختار عام 1952 بقرار من وزارة المعارف.

img

سمير غريب.. المثقف العضوى وأحد بناة الصروح الثقافية المصرية

من جانبها، ساهمت الدولة المصرية في دعم الحركة الفنية، إذ أتاحت للفنانين المشاركة في معرض باريس الدولي 1937، كما وافقت عام 1924، بناءً على مذكرة قدمها أحمد ذو الفقار باشا، على إنشاء أكاديمية مصرية للفنون في روما، لتكون منصة لتأهيل الفنانين المصريين وفق أحدث المعايير العالمية.هكذا، انتقلت الفنون الجميلة في مصر من مرحلة التأسيس الأوروبي إلى مرحلة النضج الوطني، بفضل تضافر جهود الرواد، ورعاية النخب الثقافية، ودعم الدولة، لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المصرية الحديثة.

زيارة مصدر الخبر