مكانة تاريخية كبيرة يتمتع بها درب اللبانة، حيث يلتقي التراث بالتجدد في قلب القاهرة التاريخية، وتتشابك خيوط الزمن مع حجر المباني العتيقة، وتقبع حارة درب اللبانة كشاهد صامت على طبقات متراكمة من التاريخ؛ هذا الدرب الضيق، الذي يرتفع فوق سفح مطل على ميدان القلعة، ليس مجرد ممر بين جدران قديمة، إنه شريان حي ينبض بذاكرة مدينة عاشت أمجاد الفاطميين والأيوبيين والمماليك، وما زالت تحتضن أصداء تلك العصور في كل درجة سلم وكل واجهة حجرية.
سُمي الدرب بهذا الاسم نسبة إلى عائلة كانت تتاجر بالألبان ومشتقاتها، كانت هذه العائلة توزع منتجاتها على أغلب أحياء القاهرة، فأصبح الدرب مرتبطا بهذه التجارة اليومية، ليصبح الاسم رمزا يحمل في طياته بساطة الحياة اليومية وقِدم الجذور، ومن حوله تتجاور روائع معمارية شامخة: جامع السلطان حسن، ومسجد الرفاعي، وقلعة صلاح الدين التاريخية، إلى جانب آثار أخرى، منها بيمارستان المؤيدي وتكية البسطامي، وبيت المعمار المصري الذي كان ملاذا للمهندس العالمي حسن فتحي، آخر ساكنيه الأسطوريين.
لعقود طويلة، واجهت مباني الدرب خطر الانهيار والإهمال، وبات بعضها يمثل تهديدا حقيقيا على سلامة السكان والتراث المحيط، لكن في السنوات الأخيرة، تحول المشهد تدريجيا بفضل جهود ترميم ممنهجة ومدروسة، تجمع بين التوثيق العلمي والحرفية اليدوية، لإعادة الحياة إلى النسيج العمراني دون المساس بروحه الأصيلة.
آخر المستجدات من قلب المشروع
أكد المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، أن مشروع تطوير درب اللبانة شهد تقدما ملموسا خلال الفترة الأخيرة.
وقال في تصريحات خاصة لـ”الشروق”: “يسعدنا أن نشهد فرحة المواطنين العائدين إلى منازلهم بعد تطويرها وترميمها ترميما شاملا، وهو ما يعكس التزامنا بتنفيذ توجيهات القيادة السياسية لإحياء التراث وتحسين جودة حياة السكان”.
وأوضح أن الأعمال شملت ترميم وتطوير ثلاثة عقارات تاريخية مع التدعيم الإنشائي الكامل لها، للحفاظ على سلامتها الإنشائية والنسيج العمراني، ضمن مشروع تطوير يغطي المنطقة ضمن مساحة إجمالية تقارب 10 أفدنة.
وتضمنت الأعمال معالجة وطلاء الواجهات التاريخية الأصلية، وعزل الأسطح، مع الالتزام التام بالمواصفات المعمارية المسجلة لدى منظمة اليونسكو، بهدف تعزيز الجاذبية السياحية والثقافية للدرب.
وأشار إلى أنه تم تسليم الوحدات السكنية لعشر أسر، إلى جانب ثلاثة محلات تجارية لأصحابها الأصليين، مع الحفاظ التام على نمط الشوارع والمخططات التقليدية، وتحسين الجودة العمرانية لجعل المنطقة أكثر جاذبية سياحيا وثقافيا.
وعن ميزانية المشروع، لفت صديق إلى أن التمويل يأتي كاملا من صندوق التنمية الحضرية، وأن تكلفة المرحلة المنتهية بلغت نحو 5 مليارات جنيه، مؤكدا أن تحديد الميزانية يتم بعد دراسة دقيقة لكل حالة واحتياجاتها، وتتم عملية تسليم الوحدات على مراحل متتالية، بعد الانتهاء من أعمال الترميم والفحص الفني لكل جزء على حدة؛ نظرا لاختلاف حالة كل مبنى واحتياجاته الإنشائية والترميمية.
خطة ربط سياحي متكامل مع مناطق القاهرة التاريخية
وفيما يخص الربط السياحي، أفاد المهندس خالد صديق أن صندوق التنمية الحضرية، بالتعاون مع محافظة القاهرة، وضع خطة لتطوير درب اللبانة بالتوازي مع 5 مناطق أخرى هي: باب العزب، ومسجد الرفاعي، والسلطان حسن، وقايتباي الرماح، والمحمودية، ويجري العمل على تطوير جميع المباني الأثرية الواقعة ضمن نطاق التطوير في القاهرة التاريخية، بهدف إحياء المنطقة بالكامل وتحويلها إلى وجهة سياحية متميزة.
وتابع: “تحولت المنطقة من حالة الإهمال والفراغ العمراني إلى مساحة تكتسب طابعا سياحيا تاريخيا متميزا، مع مراعاة التنسيق المعماري للمعالم المحيطة دون هدم أي من المباني التراثية القائمة، وحفظ المساحات الخضراء، في إطار خطة أوسع لإحياء عدد من المناطق الرئيسية داخل القاهرة التاريخية”.
واستطرد قائلا: “ما يمنح درب اللبانة ميزة سياحية استثنائية هو وجود 4 أبنية أثرية على مساحة تقارب 200 متر مربع فقط، إلى جانب وقوع القلعة في نطاقها، فضلا عن بيت المعمار المصري والبيمارستان، مما يجعلها غنية بالمعالم التاريخية والسياحية الهامة”.
التعامل مع الحرفيين وأصحاب المهن الحرة
وفي سياق التعامل مع أصحاب الحرف والمهن في الدرب، أوضح رئيس صندوق التنمية الحضرية أن الحرف المتوافقة مع الطابع التاريخي والسياحي -مثل الصناعات اليدوية والجلود والمعادن وغيرها- يتم التنسيق للإبقاء عليها داخل المنطقة، أما الحرف غير المتوافقة -مثل ورش الميكانيكا والسمكرة والدوكو وما شابه- فقد تم تخصيص منطقة مخصصة لها على مساحة نحو 60 فدانا في منشية ناصر، لضمان استمرارية أعمالهم في بيئة مناسبة دون تعارض مع الهوية التاريخية والسياحية للدرب.